ســـــــــيرة ذات

عصام صالح القيسي

 كاتب وشاعر يمني

ـ مواليد بني مطر ـ صنعاء ـ 1975م
ـ مسجل لنيل درجة الماجستير في الأدب العربي 
ـ سكرتير تحرير صحيفة الناس
ـ سكرتير مجلة نجاح
ـ مسؤول الإعلام بمستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا (حاليا)
ـ عمل أستاذا بجامعة صنعاء
عنوانات:
محمول : 711499564

مقـــــــــــــالاتي

عرب أرض .. أرض!

 

عصام القيسي

26/5/2005

يجيد العرب صناعتين بامتياز هما: صناعة التخلف وصناعة الاختلاف! ولا يماري أحد في هذه الحقيقة الفجة إلا أولئك الذين يؤكدون أن الجهل نور والعلم ظلام!
ويحلو لنا نحن اليمنيين التباهي بأننا أصل العرب جميعا، باعتبارنا العرب العاربة وباعتبارهم العرب الهاربة! وننسى في زحمة غبائنا أن هذه الأصالة تعني - فيما تعني- أننا أصل التخلف العربي العظيم.

يؤسفني كثيرا أن تكون هذه حقيقتنا، ولا يؤسفني أبدا التصريح بها حتى لو كانت تغضب الأحجار الغشيمة من أبناء جلدتنا؛ لأنه لا فائدة من تجميل القبيح وتحويل القرد إلى غزال أو "إخراج الجبل العظيم من الحصى" كما يقول أحمد مطر. وخير لنا أن نرى حقيقة أنفسنا بأنفسنا دون حاجة إلى معونة الآخرين، إذ يكفيهم فضلا علينا أنهم يعولوننا من المهد إلى اللحد!، من الملابس الداخلية إلى البوارج الحربية! وليس من المروءة أن نثقل عليهم فوق ذلك ونحن أهل المروءة والشمم!

بعث أحدهم يحملني أمانة أثقل من الجبال، أتدرون ما هي؟! قال إن أعداء الله قد خدعونا بقولهم: إن الأرض كروية! بينما هي في حقيقتها ليست كروية، وإن علينا نحن الصحفيين واجب البلاغ المبين! قلت له: اطمئن، الأرض ليست كروية، إنها مسطحة كعقولنا نحن العرب، فعد إلى أهلك سالما غانما!
وقد ذكرني هذا بطرفة لا أدري مدى صحتها تقول: إن أحدهم جاء إلى القاضي محمد إسماعيل العمراني يزعم أنه المهدي المنتظر وطلب من القاضي أن يبايعه على السمع والطاعة! فما كان من القاضي إلا أن قال له بلطف: تأخرت يا ولدي، في ذمتي بيعة سابقة للحشيشي.

و"الحشيشي" هذا مجنون آخر في نفس المنطقة!
قد يكون صاحب الأرض المسطحة شخصا عابرا لا يؤبه له، وقد يكون "المنتظر" أعلاه معتوها. لا عبرة بكلامه، ولكن ماذا تفعل إذا وجدت أن هذا النمط من التفكير هو السائد في بعض الأوساط المعرفية في ديارنا مثلا.. قرأت لأحدهم أخيرا فتوى تقول: إن سب سيدنا معاوية بن أبي سفيان كفر بواح هكذا دفعة واحدة! و(بواح) هذه من عندى لأن المفتي كان قد نسيها وسمعت معتوها آخر في قناة فضائية يقول بثقة عمياء: لقد مر مولانا الإمام علي بهذه البئر وشرب منها، والعلماء اليوم يؤكدون أن بها بكتيريا مباركة تقتل كل أنواع البكتيريا على وجه الأرض بإذن الله!

أصابني ما يشبه الغثيان من "عبط" المسلمين فآثرت أن أستمع إلى إخواننا المسيحيين العرب فإذا بمذيع وسيم يؤكد أن البابا الذي مات قبل يوحنا بولس الثاني بعشرات السنين ما زال جسده طريا في قبره إلى الآن وكأنه مات بالأمس، وهي كرامة لا ينالها إلا قديس!
أغلقت محطات التلفزة جميعا وأقبلت على طفلي الصغير أقول له: أعتذر يا صغيري عما بدر مني قبل قليل، وأشهد أنك أعقل من كثير من العرب!بالمناسبة كان طفلي الصغير قد أصر على أن أفتح له المظلة داخل المنزل لأن المطر في الخارج غزير!

وهكذا يختزل العرب التاريخ والحياة من حولهم إلى (عليّ ومعاوية) أو إلى كأس وغانية، ثم يسألونك عن الهزيمة أنى هي!
سألني يوما أحد المكتئبين العرب: لماذا فشلنا.. ونجح الغرب؟ أجبته: لأن العقل الغربي من طراز أرض جو والعقل العربي من طراز أرض أرض!

 

بين يدي مؤتمره الرابع

حزب الإصلاح .. سفينة نوح أم الـ ( تيتانك ) ؟!

عصام القيسي

esamsk@yahoo.com


 

لم يكن التجمع اليمني للإصلاح مجرد حزب سياسي بالنسبة لنا نحن شباب الإصلاح الداخلين إليه أفواجا أوائل التسعينيات, وإنما كان يمثل لنا سفينة نوح التي ستقلنا إلى المدينة الفاضلة , مدينة العدل والحب  والخير والجمال .

وكان هذا الشعور وحده كافياَ لاعتبار كل من يعترض طريق السفينة قرصاناً أعور يستحق العقاب ، واندفعنا بحماسة الشباب المؤمن نذود عن السفينة قراصنة البحر بمختلف اتجاهاتهم ونؤمن مسارها من أي إحتمال شرير يبدو في الأفق !.

فعلنا ذلك بهمم عالية ، ويقين راسخ بأن الحق من ورائنا والخلاص من أمامنا ، دون التفات إلى أي صوت سوى صوت المدينة الفاضلة ، التي كانت على مرمى حجر من أحلامنا !.

كان المشهد مهيبا : الركاب يتزايدون ، والأيدي تتشابك والقلوب تردد أنشودة موحدة "يا مركبي سيري سيري" والمركب تسير !

وفي غمرة هذا الحلم الرومانسي الكبير ، أفاق بعضنا على صوت مكتوم عرفنا أنه صوت ارتطام السفينة بجبل الجليد !

وإذا بسؤال جليدي يطفو أمامنا على السطح : هل كانت هذه سفينة نوح أم سفينة "تيتانك" ؟ !

يظل الواقع دائماً أقسى من الأحلام ، لكن هذا لا يبرر العيش في الأحلام ، وكان لابد أن نقفز من السفينة ألى عرض البحر ، ليس لأننا نكره السفينة ولكن لأننا نحب الخلاص .

أسئلة كثيرة كانت تسبح معنا ومن حولنا : هل نقوى على السباحة إلى بر الأمان؟ هل لدى الفرد القدرة على إدراك النجاة حين تعجز الجماعة ؟ هل يستطيع الفرد أن يرى ما لا تراه الجماعة ؟

ركاب السفينة يعرفون إجابة واحدة على هذه التساؤلات كانوا قد تدربوا عليها طويلاً ... (لا).

اليوم وقد ذهب بعضنا غرقاً في بحر الغرائز ، وذهب آخرون إلى سمك القرش ، صرنا ندرك كم كنا محظوظين نحن البقية الباقية حين نجونا بأحلامنا وإصرارنا القديم على السير نحو المدينة الفاضلة .

 

 

اليوم انقشع ضباب كثير كان يحجب عنا الرؤية بالأمس ، واليوم صرنا أكثر وعياً بما نريد ، وكيف نحقق ما نريد ؟

لقد عرفنا أن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع قصراُ منيفاً ، وأن الكثرة ليست قرين الحق ، وعرفنا أن العلاج الناجع مرهون بالتشخيص الدقيق للممرض . لقد عرفنا أن النهضة معادلة لا يمكن تحقيقها بدون مكوناتها الأساسية : فلا نهضة بلا تنمية ولا تنمية بلا إبداع ، ولا إبداع بلا حرية ، ولا حرية بلا معرفة ، وعلى حجاج الخلاص الصادقين أن يشغلوا أنفسهم بأسئلة المعرفة والحرية والإبداع والتنمية بدلاً عن الحرث في الماء!.
أما أؤلئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم تحقيق الخلاص والنهضة خارج هذه المعادلة فأسهل لهم أن ينتظروا بيضة الديك !

هناك لا شك من يعتقد أن عناصر النهضة المذكورة سلفاً قد أشبعت بحثاً ، وأن العودة إلى طرحها مجدداً هو بمثابة الردة إلى أبجديات الفكر الأولى .

ونحن نقدر هذا الإعتقاد ونتفهمه ، ولكن هل يعلم هؤلاء أننا أمة لم تحسم بعد موقفها من البدهيات ، ولم تدرك بعد خطورة تجاهلها للحقائق ؟!

إننا نتحدث عن الحرية كثيراً ، لكن هل حقاً نعرف الحرية ، وهل حقاً ندرك مدى إحتياجنا إليها ومدى ارتباطها بتحقيق هدف النهضة؟!

الأجابة معروفة ومنكرة!!.

وحقناً للوقت فسأبادر بتقديم إجابة واضحة وحاسمة على سؤال الحرية الأول ! ما الحرية؟

إن ذروة سنام الحرية هي القدرة على التفكير خارج الأطر المرجعية التي نشأنا عليها ولها.  والتفكير خارج الأطر المرجعية يعني ببساطة ممارسة النقد,  نقد المرجعيات الأجتهادية التي نأوي إليها عند الشدائد ، نقد العقل الذي نحتكم إليه.

الحرية أذن في أسمى مراتبها هي (نقد الذات), هل تعرفون ما معنى نقد الذات؟ معناه أن ننفصل عن ذواتنا, وأن نترك بيننا وبينها مسافة تمكننا من النظر إليها في حقيقتها كما هي لا كما نود أن تكون !

و قانون المسافة هذا هو أهم شروط النقد الذاتي .

كنت أقول هذا الكلام لبعض منتسبي التيار الحركي الإسلامي فيردون عليَّ ، إن النقد موجود والحمد لله ، ألم تسمع عن التوجه الفلاني والتحول العلاني ؟.

وأنا أؤكد لهم أنها تحولات شكلية وغير جوهرية وأن ما نحتاجه اليوم كمسلمين وجماعات إسلامية ليس مجرد حلول ترقيعية أو عمليات جراحة تجميلية ، وإنما بحاجة إلى تحول جذري في النظرية والتطبيق ، وهذا ما يقرره التشخيص الدقيق .

صحيح أن مراجعات من نوع ما قد حدثت ولكنها أيضاً قد فشلت في تحقيق التحول الاستراتيجي .

وإن أهم أسباب فشل تلك المراجعات وأبرز ملامح عدم جديتها وجدواها هو أنها تحاكم الثقافة إلى معاييرها الذاتية ، ولا أدري كيف يتوقعون أن تدين الثقافة نفسها!.

إن التحولات الجوهرية والعميقة في واقع الجماعات والأمم لابد أن تسبقها تحولات جوهرية وعميقة في العقل, في الثقافة, في الضمير. إن ثورة هنا لابد أن تسبقها ثورة هناك !.

لكن ماذا نفعل إذا كان البعض لدينا يعتقد أن الحديث عن التحولات الجوهرية والثورية ترفٌ لاحاجة لنا به , ماذا نفعل إذا كان هذا البعض يرى في تخلفنا وهزيمتنا وانكسارنا مجرد وعكة صحية بسيطة سيتجاوزها الزمن !, كيف نقنع هؤلاء بأنها ليست مجرد وعكة , وإنما أمراض خبيثة لاتجدي معها حبوب الإسبرين التي يدخلون بها على الأمة غرفة العناية المركزة !.

إننا نقف مجددا أمام مشكلة جديدة من مشلاتنا الإسلامية, هي مشكلة  أدعياء الطب لدينا من مشائخ ودعاة وخطباء ظنوا ــ وبعض الظن إثم ــ أنهم على المحجة البيضاء, وأن الحقيقة ملك يمينهم .

لقد أغلق هؤلاء كل منفذ للريح إلى عقولهم , وجعلوا أصابعهم في آذانهم تجاه أي صوت يأتي من خارج المقبرة الجماعية الكبيرة التي يسمونها مذاهب السلف , وكأن الحقيقة قد تزوجت (السلف الصالح) مرة واحدة وإلى الأبد! وعلينا نحن أبناء العصور المتأخرة أن نترمل على أبوابهم .

  أدعياء الطب هؤلاء مصممون على أن تشخيصهم للمرض دقيق وأن العلاج لا يعدو رشفة مباركة من قنينة السلف الصالح ! والويل لمن تسوّل له نفسه التشكيك في  هذه المسلمات . وشعارهم المبطن (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) . وقد أدرك هذا التيار منذ وقت مبكر هشاشة الأرض التي يقف عليها وضعف مقدرته على محاججة العقل والمنطق فذهب يتحصن وراء عدد من الجدر والمقولات التي منحها قداسة زائفة ثم أطلقها ترعى في عقول العوام .

وتكمن المشكلة في أن هؤلاء قد تركوا حصانة الحقيقة وتحصنوا وراء الجماهير ، وماأدراك ما الجماهير ، ثم ما أدراك ما الجماهير !!

أخيرا: إن تجديد الخطاب , وتوطين النقد, وإعادة الاعتبار للعقل ( الفريضة الغائبة عند المسلمين ) والخروج من نسق النص التاريخي المهيمن ( الحديث والسيرة والتاريخ) إلى نسق النص الديني المنزل (القرآن الكريم وما دل عليه من سنةٍ عملية)  هي أولى أولويات الورقة الفكرية  للجماعات الإسلامية.

وإن مقاومة الجاهلية في صورها الاجتماعية القذرة هي المحك الأول لصدق التوجه والادعاء , فالعنصرية سوءة خلقية وعاهة عقلية تفتت النسيج الاجتماعي اليمني ولا تليق بمن يزعم التوحيد ! , والثأر سلوك حيواني يليق بثقافة القطيع , والفقر حليف الشيطان في الفتك بالإنسان , وهذا الثالوث الرهيب من العنصرية والفقر والثأر كفيل بتحويل المجتمع إلى حديقة حيوان كبيرة . حينئذ تكون هذه الجماعات ــــ صاحبة المهمة الرسالية ـــ  أمام مهمة شبه مستحيلة , هي تحويل هذه المجتمعات الفتاكة من حياة القطعان إلى حياة الإنسان, كما أراده الله في أحسن تقويم !.

أقول مهمة ( شبه مستحيلة ) لأن من يتصدى للتغيير لم يتغير بعد!, ولأن الطبيب المعالج يعاني المرض! وإن أول خطوة في العلاج هي اعتراف المريض بمرضه !.

فيا قوم .. أعيدوا النظر في أبقاركم المقدسة , "ولاتقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا", ولا يغرنكم ( ركن الثقة ) فإنه الباب الذي يدخل منه العسكر ويخرج منه القادة , وإنه الركن الذي يهدم الأركان !.

 

 

الأرض حبة (بارامول)!

عصام القيسي

 

بالنسبة لي كان الأمر صعبا ومحزنا للغاية, فلم أكن أتوقع للحظة واحدة أن يختصر البشر الأرض إلى كرة ! ماذا يعني أن الأرض كروية, وماذا يعني أن الكرة تسبح في الفضاء, ؟ لقد كنا نعتقد أنها بساط ممدود بلا نهاية, وأن وراء كل بلد بلاد أخرى, و وراء البلاد الأخرى بلاد أخرى, وهكذا بلا انتهاء. كنا نحلم برؤية تلك البلاد بعجائبها وقصصها المدهشة, وكنا نتساءل برهبة: ترى ماذا وراء السند والهند, وأين تقع الجزيرة المسحورة, ومغارة الكنز, والبحور السبعة, وطائر العنقاء الضخم, وأين جزيرة الأقزام, وقلعة الأمير الشاب المسكونة بالجن, وأين بلاد الأميرة الجميلة التي تكون أميرة في الليل وطائرا في النهار!, أين المدينة التي تحول أهلها إلى تماثيل حجرية كل في مكانه و أين الزائر الغريب الذي سيعيدها سيرتها الأولى, وأين و أين ؟ هل ذهب كل ذلك أدراج الرياح بعد أن تحولت الأرض إلى كرة, هل كان لابد من هذه النهاية المروعة للسيدة الأرض؟

لقد ذهب كثير من بريق الأرض, تلك السيدة العجوز التي كانت تشع سحرا وغموضا, بعد أن اختزلها ذلك الساحر العجيب إلى كرة كبيرة, تماما كما فعل مع القمر الذي تحول من قنديل ليلي ضخم إلى كرة ترابية, ولم يكتف الساحر بذلك فقد أختصر الكرة الأرضية إلى" قرية صغيرة"!.

لقد اقتربنا من النهاية لأن هذا الساحر العجيب لن يكتفي بما فعل فلن يهدأ له بال حتى يختصر القرية الصغيرة إلى كبسولة صغيرة بحجم حبة الصداع, وحينها سنكتشف أننا كنا في الحقيقة مجموعة من الكائنات البكتيرية بالغة الصغر توهمت أنها كائنات كبيرة وذكية, وسنكتشف أن عالما كبيرا من غير جنسنا كان يجري علينا بعض التجارب في معمله!, وأن التجربة قد وصلت إلى نهايتها!.

لم يبق إلا أن ندون ذكرياتنا على هذه الكبسولة لنقرأها في مكان آخر, فالذكريات هي الشيء الوحيد الذي يمكننا حمله عند مغادرتها, الذكريات هي بقايانا الحقيقية على سطح هذه الكبسولة الصغيرة, فحتى الأهرامات ستزول بعد انتهاء التجربة!, وإلى أن يأتي موعد النهاية يبقى أن نتذكر عدد من الأسئلة المنسية التي لن يتذكرها أحد:

ترى ما شكل آخر لحظة سيقضيها البشر على سطح الكبسولة الأرضية, ما آخر قصة للظلم أو للعدل, للبغض أو للحب, للشر أو للخير سيسدل عليها الستار؟!

ما آخر كلمة سيلفظها إنسان, ما آخر دمعة سقطت وآخر بسمة أشرقت وآخر أغنية رددها إنسان, ما آخر نكتة قيلت وآخر مساء كان, وما آخر مولود جاء في الوقت الضائع؟!أسئلة كثيرة مثل هذه لن يتذكرها أحد, أليس هذا مؤلما؟!

يا إلهي.. هل ستأتي لحظة لا تكون الأرض في مكانها ولا في غير مكانها؟ هل ستأتي لحظة لا يبقى من هذا الكون الجميل شيء؟ هل بلغت قسوة العلم إلى هذا الحد؟ أن يختصر الأرض الممدودة بلا نهاية إلى كرة ثم يختصر الكرة الكبيرة إلى قرية صغيرة ثم يختصر القرية إلى حبة ( بارا مول )  ثم ينسف هذه الحبة فيجهلها (كالعهن المنفوش)؟ بلى .. ولكنها ليست قسوة العلم وإنما قسوة الجهل الذي يسبق العلم, الجهل الذي يعشق الغموض والسحر والخرافة والأسطورة, الجهل الذي يحكي لنا كل مساء حكاية غريبة حتى يداهمنا النوم في أحضانه, الجهل الذي يكبر بنا ونصغر به, ذلك الجبان لا يقول الحقيقة!.

 

!حوار مع تلميذتي الملحدة

عصام القيسي

esamsk@yahoo.com


جمعتنا الأقدار حسب ما أعتقد والصدف حسب ما تعتقد هي فكنت أستاذها وكانت تلميذتي, أو هكذا خيل إلينا أول الأمر.
دنيا -وهذا اسمها– فتاة فرنسية من أصل عربي لا يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين عاما بالتوقيت المحلي لمدينة صنعاء وضواحيها! جاءت إلى اليمن لإثراء لغتها العربية بعد أن أتقنت قواعدها ونظرياتها في باريس, وتعرف عن العربية مالا يعرفه كثير من أبنائها, وبإمكانها أن تحدثك عن الجاحظ والمبرد وابن جني والسيوطي وعادل إمام بكل ثقة وهدوء!
دنيا فتاة لا تأتي وحدها عندما تلتقي بك, بل تحضر معها متحف اللوفر وبرج إيفل وماري انطوانيت ولويس السادس عشر وسارتر والماركيز دي ساد ومعركة بواتيه أيضا!, وأمام هؤلاء جميعا لايمكنك أن تسمي الانفراد بها خلوة, ولا يمكنك أن تتذكر الحديث الشهير "ماخلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان", لأن الشيطان لايمكنه أن يحضر جلسة فيها شخص مثل سارتر أو لويس السادس عشر فما بالك إذا علم بوجود الماركيز "دي ساد" شخصيا!, وهو في هذه الحالة يطبق القاعدة الشهيرة "إذا حضر الماء بطل التيمم"!, ومع ذلك فقد كانت زميلتها "سيلفي" حاضرة معنا طوال الوقت ـ ربما نيابة عن الملائكة!
تعتقد دنيا أن العرب أناس أغبياء و مسطحون و(شاربين في أنفسهم مقلب) كما يقول المثل المصري, فهم يعتقدون أنهم أحسن الناس وأن أمتهم أحسن الأمم ودينهم أحسن الأديان, مع أنهم "مشرشحون" بين الأمم و"خيبتهم" يوم السبت والأحد وكل أيام الأسبوع تقريبا!, وأنا أصدق كل ما قالته دنيا مع تحفظي الشديد -بالطريقة العربية– على بند "ودينهم أحسن الأديان" الذي قالته في سياق الاستنكار!
كنت أفضل الاستماع إليها طوال الوقت رغبة في معرفة المزيد عن ثقافتها وطريقة تفكيرها باعتبارها نموذج فرنسي مركز من وجهة نظري! مع بعض مداخلات للتصويب والإضافة في اللغة والدين والثقافة العامة, كل ذلك وأنا أظن أنها مسيحية العقيدة أو مسلمة على الطريقة الفرنسية!
وفي سؤال من هذا القبيل قالت بكل هدوء: أنا ملحدة ولا أؤمن بالأساطير التي يؤمن بها البسطاء!
أثارتني إجابتها فاستيقظ في دمي ربعي بن عامر وقلت لها باسما: أنا أحد البسطاء وأدعوك لاعتناق الإسلام هكذا ببساطة البسطاء!, ضحكت بخبث وقالت: وماذا أفعل بالإسلام, أنا لا أحتاج إلى حور عين ولا أحب أن أموت اختناقا بالحجاب.. كمية الهواء التي أتنفسها بالإلحاد أكثر من كمية الهواء التي أتنفسها بالإيمان, وهذا وحده يكفي!
قلت: لا أعرف الآن بيقين ما إذا كانت الحور في الجنة إناثا فقط أم إناثا وذكورا, ولا يعنيني الآن ما إذا كان الحجاب من تقاليد الإسلام أم من تقاليد عبس وذبيان التي أدخلها العرب على الإسلام في وقت لاحق كما أدخلوا حد الردة وحد الرجم للزاني المحصن والناسخ والمنسوخ وفقه السراري والإماء وحجية حديث النبي (ص) بالرغم من نهي النبي وصحابته عن تدوين كلامه أو الإكثار من روايته مرارا وتكرارا!, فكل ذلك يأتي تاليا لسؤال ضروري وحتمي هو: هل الله حق كما أعتقد أم أسطورة كما تعتقدين؟! وكانت المفاجأة أن قالت: حتى لو كان الله حقيقة فأنا لا أحتاج إليه!!
أدركت أنني أمام نموذج جديد من الإلحاد فسألتها مازحا: هل تعرفين الشيطان؟ أجابت لا أؤمن به, قلت: وهو أيضا لايؤمن بك, لأنه يؤمن بالله الواحد لولا قلة عقله! فلنعد إلى الدرس.
لاحقا دار بيننا حوار طويل حول الإيمان والإلحاد تسلحت فيه (دنيا) بفلسفات نيتشه وسارتر وهيجل وداروين ودريدا وكارل بوبر ورؤوس نووية أخرى! وتسلحت فيه أنا بالغزالي وديكارت وآينشتاين ومصطفى محمود وعبد المجيد الزنداني وروجيه جارودي وعلي عزت بيقوفيتش وأحمد ديدات وبقية الكتيبة المناضلة في هذا السياق.
لم يكن يعنيني أن تسلم فتاتي بما أقول أو بما يقوله العلم والمنطق فلا أنا ولا المنطق كنا نعني لها شيئا, فعندما سألتها هل 1+1=2 أم 3؟ أجابت: أحيانا يساوي 2 وأحيانا يساوي 3!! ولما رأت الذهول على وجهي أضافت: هناك طريقة حسابية لدى الرياضيين تجعل من 1+ 1 =3, قلت ساخرا: وليس لدى الرياضيين طريقة واحدة تثبت أن الله موجود؟! ماهذا الهراء.
لا أستطيع اتهام الإلحاد بالجهل مطلقا لأن له نوعا خاصا من الجهل يسببه الاستغراق في الجزئيات الدقيقة على حساب الكليات الواضحة والنظر إلى عناصر الأشياء في ذاتها لا في ارتباطاتها العضوية, إنه يتعمد النظر إلى الظواهر مفككة مجزأة كمن يحاول معرفة المعنى من خلال النظر إلى حروف الكلمة مفرقة لا من خلال سياقات الكلمة والجملة والنص, أو كمن يحاول أن يلعب الشطرنج خارج رقعة الشطرنج.
وفي حالات أخرى يقوم بدور الذبابة التي تتصور أن بمقدورها أن تعرف ما يدور في ذهن إنشتاين أو ذهن معمر القذافي مثلا!
وإذا كان الإلحاد قد وقع في فخ الاستغراق في المعرفة الدقيقة (المعرفة الجزئية) فإن الإيمان في المقابل قد وقع في فخ الاستغراق في المعرفة الأصولية (المعرفة الكلية) يتجلى ذلك في الموقف الإيماني من البحث الفلسفي, حيث ينظر إلى هذا الأخير بامتعاض واستهتار لا يليق بمن يعلم أن من أسماء الله الحسنى (اللطيف)!.
والفلسفة في حقيقتها هي الاشتغال في المعرفة اللطيفة (الدقيقة) كما يعرف العارفون, ولعل في الذرة من الأهمية ما ليس في الجبل, وإن من الكائنات الصغيرة ما يغير مجرى التاريخ, واسألوا تاريخ البعوض يخبركم أن ضحايا البعوض تكاد تساوي ضحايا الحروب فكم ضحايا الأسود الكاسرة بجوار ضحايا البعوض!
إن من الغباء الاستهانة بالمعرفة الدقيقة لمجرد أننا لا نجيدها وتكون النتيجة غياب نظرية متينة في الإيمان تخاطب العقل الإنساني الجديد, العقل المركب المعقد إلى حد العتمة, فما عاد الإلحاد يسبح قريبا في الشاطئ وإنما يغوص عميقا في المحيط ويحتاج إلى نظرية إيمانية غواصة لا إلى زورق يجري على السطح, نظرية تحيط بفلسفات العصر واحتمالاتها على المديين الزماني والمكاني بدقة ووضوح.
ولا أظن المؤسسة الدينية التقليدية تقدر لذلك أو حتى تستوعبه! فقد اكتفت بالعقيدة الطحاوية وأخواتها, التي تجيد الصد عن سبيل الله والتشكيك في الدين بكفاءة عالية!
ما زلت أكرر دعوتي لإقامة محرقة قومية ودينية كبيرة يتخلص فيها المسلمون من العقيدة الطحاوية وأخواتها لنتمكن من تقديم إسلام عاقل متماسك للإنسان المعاصر, إنسان الشك والمعرفة المتشعبة.
ومازلت أكرر دعوتي لإجراء ثورة تصحيحية في العقل والثقافة العربية الإسلامية لا تقل عن ثورة مارتن لوثر في الدين المسيحي! ومحاكمة الدعاوى الزائفة التي تزعم أن الأمة في صحة جيدة لولا بعض الرشح أو بعض الصداع الذي أصابها, هذه الدعاوى التي تساهم بفاعلية في تكريس المرض الخطير وتجاهله إلى أن يفتك بالجسد كله وقد فتك ببعضه!
إنها ليست دعوة للفوضى كما يتصور أرباب النظر القصير بل دعوة للمشي على قدمين بدلا من أربع! دعوة لعبادة الله على بصيرة بدلا من عبادة الأوهام المقدسة! دعوة إلى إعادة الاعتبار للعقل الذي تم إقصاؤه عمدا وعدوانا لصالح الضلال, أخيرا إنها دعوة لتخليص الإسلام من جاهلية المسلمين!
لاشك أنها معركة طويلة ومكلفة, لكن الرهان على ما ينفع الناس ليس كالرهان على الزبد, وإن غربة الحقيقة لا تعني ضعفها ولن يستطيع ظلام الكون كله إطفاء شمعة واحدة!

 

الصدمة "الكهروفكرية"!!

عصام القيسي

esamsk@yahoo.com

طوال الفترة التي تناولت فيها أدوية مركبة لم أجد واحدا منها بطعم "الآيس كريم" أو الشوكولاته!!.

وطوال الفترة التي تناولت فيها "الشوكولاته" لم أجد واحدا من الناس إلا وحذرني من تناولها لما لها من آثار جانبية على الأسنان، وأعضاء الفلترة البيولوجية في الجسم!

وهكذا عندما جربت المعصية وجدت لها حلاوة الشوكولاته، وعندما جربت التقوى وحدت لها مرارة العلاج!

وصار عندي ما يشبه العقيدة أن للعلاج بدايات مرة ونهايات حلوة، وأن للداء بدايات حلوة ونهايات مرة!.

وبالرغم من أمراضنا المستعصية – نحن المسلمون – إلا أننا نصر على تناول الأدوية التي نستسيغها فقط، ونرفض بشدة الحلول التي فيها مرارة، ونترك لذائقتنا المشوشة حرية الرفض لكل ما يجرح مشاعرها، وإن كانت على حساب الشفاء!

كثيرا ما أسمع من أصدقائي من يقول: إن صراحتك الفجة في طرح الأفكار تستفز كثيرا من معارضيها، وتدفعهم إلى رفضها من باب رد الفعل، وكان حريا بك أن تتمثل قول الله تعالى "ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك"!، وكثيرا من أقول لهؤلاء إن الأمراض الجنينية والمستعصية لا تعالج بحبوب الإسبرين كما يريد القوم، وإنما بالبتر والاستئصال، وأن من الخيانة أن يستغل أصحاب الفكر ببيع المخدرات بدعوى أنها تخفف الألم، ويتقبلها المريض.

هذه الأمة أصيب بسكتة دماغية من زمن طويل، وبعض أدعياء الطب لدينا يدخلون عليها في غرفة العناية المركزة بحبوب الصداع!!

لقد سمعنا من فقهائنا أن أفضل العبادات ما كانت في وقتها، وكذلك اللين والفضاضة، كلاهما محكوم بظرفه ووقته.

لقد أرسل موسى وهارون إلى فرعون وكانت التوجيهات التي لديهما تقول: "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى"، والذي حدث أن القول اللين قد استنفد أغراضه مع فرعون، فما كان من موسى إلا أن قال "وإني لأظنك يا فرعون مثبورا"، وهو تهديد ووعيد لا يليق بمقام اللين المطلوب، فتأمل!

إن أول خطوة في طريق الشفاء هي الاعتراف بالمرض، وبعضنا ما زال يخشى هذه الخطوة بالرغم من كل شيء!

ثم لا بد بعد ذلك من التشخيص الدقيق وعدم الخلط بين المرض وأعراض المرض، ولقد قال التشخيص كلمته: هذه أمة في حالة غيبوبة، بسبب نقص الإبداع – التجديد – (الاجتهاد)، وهذه مجتمعات لا تعالج إلا بالصدمة "الكهروفكرية" لأنها فقدت قدرتها على التركيز، وسيطر على وعيها شريط من الذكريات اللذيذة منعها من الإقامة وممارسة مهامها الطبيعية.

لقد أفاق المسلمون في العصر الحديث على وقع أقدام الغزاة القادمين من الغرب وأصوات مدافعهم بعد رقدة أقدام طويلة طويلة، وخرج أصحاب الكهف يتساءلون: ماذا نفعل؟

فقال بعضهم "نكفر بالشرق" وقال آخرون "نكفر بالغرب" وقال أوسطهم "بل نكفر بالغث من هذا وذاك ونؤمن بالسمين"! ولما أدركوا أن النهضة لا يكفيها الكفر بهذا أو بذاك ذهبوا يتساءلون "من أين نبدأ"، وهو سؤال أرهق أهل الذكر فكانوا في الإجابة عليه طرائق قددا، وكان ينبغي قبل الإجابة عن السؤالين الماضيين الإجابة عن سؤال آخر هو "ماذا نريد؟" لأن تحديد البداية وما بعدها مرهون بالإجابة عن هذا السؤال.

وما نريده اليوم ليس هو بعينه ما كنا نريده بالأمس!

بالأمس كنا نريد صهر العالم في قالب الإسلام، كنا نريد حشد أكبر قدر من الحياة تحت راية الإسلام!!

بالأمس كان حديث القوى المنشغل بغيره الضعيف، وأما اليوم فهو حديث الضعيف المنشغل بنفسه، وبين الحديثين بون بعيد.

وهذا لا يعني أن حديث الأمس قد ألغى من جداول أعمالنا، وإنما سقط سلم أولياتنا، وتظل حقائق الأمس آمالا في أجندة المستقبل.

البداية إذن مع الطبيب المريض الذي كان يحلم بمداواة العالم وهو اليوم عاجز عن مداواة نفسه!!

الوضوح إذن جزء من العلاج، والتربيت على أكتاف الغلط جزء من الفشل.

خلاصة:

لولا الخطايا لكان الكتاب المقدس أصغر!

محمود درويش

 

 

في مواجهة ساخنة

صدام حسين: حجتي أقوى من حجة صلاح الدين!

 

   

  


شئ بين الحقيقة والخيال.. بين ممكنات العقل ومستحيلات الواقع بين الأخذ الرباني والحقد الإنساني، وقع صدّام حسين – الرجل وليس النظام- أسيراً في يد عدوه الشخصي والقومي والعقائدي –أميركا-.

وقع الرجل الذي شغل الدنيا على مدار عقود من الزمن بغزوه للكويت وضربه لإسرائيل وتحديه لاميركا.

وقع الرجل بعد أن خسر كل شيء إلا شرفه وكرامته:

ترى ماذا يمكن أن يقول صدّام حسين الآن لو أجري معه لقاء صحفي في الأسر؟.. بماذا يعتذر عن الماضي وكيف يفسر ما حدث؟!

لقد حاولنا إجراء هذا اللقاء المتخيل مع "الأسير" المنكوب صدّام حسين في محاولة منا لإنصاف الرجل الذي سدت أمامه الأبواب وكثرت حوله السكاكين، إن من حق الرجل علينا أن نسمعه ومن حقه على نفسه أن يدافع عنها، وإن بيننا وبين الرجل من الوشائج والصلات ما يلزمنا بالإنصات له ولو لمرة واحدة..

وحتى الشيطان ترك الله له فرصة الدفاع عن نفسه!

ملاحظة : نشر هذا الحوار في صحيفة "الناس" بعد أسبوع من وقوع صدام في الأسر

 

 

 

أجرى الحوار/ عصام القيسي

§         صدّام حسين لنبدأ من اللحظة الراهنة، من زنزانتك الانفرادية وهزيمتك المعنوية، ما الحكمة التي تؤمن بها الآن؟

صدّام: قول المتنبي:

وإذا كانت النفوس كباراً  

 تعبت في  مرادها ا لأجسام

§        س: هل كنت تتوقع مثل هذه النهاية المروعة؟

صدّام: لقد قلت في مقابلة سابقة مع قناة تلفزيونية أميركية، إننا معشر المسلمين نؤمن بقضاء الله وقدره، وأنا واحد من هؤلاء المؤمنين، والذين يعرفونني جيداً يدركون أن الأمر ليس غريبا عليّ فأنا متعود على مثل هذه الظروف لأني رجل حرب منذ بدايتي وحتى نهايتي، والمترفون وحدهم يخشون مثل هذا المصير. هذه نهاية المجاهدين.. النصر او الشهادة أو الأسر، والأسر على يد أميركا شرف كبير!

§         يقال إنك استسلمت لعدوك دون قتال وهذا ليس من شيم المحاربين؟!

صدّام: أنتم الذين استسلمتم للرواية الأمريكية، ولو قاومت عقولكم قليلاً لتبين زيف هذه الدعوى والأيام كفيلة بفضحها.

س: أعداؤك يقولون أن نهايتك على هذه الشاكلة عقوبة من الله على ما اقترفت من جرائم؟

صدّام: وأحبائي يقولون انه امتحان من الله يختار له الأنبياء فالأمثل فالأمثل!، فهل تستطيعون التفريق بين العقوبة والامتحان، ثم هؤلاء الطواغيت الذين ماتوا دون عقاب من الله في الدنيا ماذا تقولون في نهايتهم؟ هل أضرب لكم الأمثال أم تكفيكم الإشارة.

§         بعد كل ما حدث ماذا ربح صدّام حسين وماذا خسر؟!

صدّام: لقد ربحت شرفي وأخلاقي وسمعتي وحب كثير من المستضعفين وأرجو قبل ذلك وبعده رضاء الله عني، وقد خسرت في سبيل ذلك كل شيء .. نفسي وأولادي وراحتي وترف العيش وبريق السلطة.  

§         ألم تكن تلك الأفعال لدغدغة عواطف الناس؟

صدّام: كيف أدغدغ عواطف الناس على حساب نفسي وأهلي، وأنا أدرك جيداً ما تعني عداوة أمريكا..

§         دعنا نعود قليلاً إلى الوراء ولنبدأ من حربكم مع إيران.. لماذا الحرب مع إيران.. ألم تكن مغامرة فاشلة؟

صدّام: حرب إيران كانت ضرورة قومية ووطنية وفريضة شرعية!.. فحماية العراق والمنطقة من أطماع الملالي القادمين بقوة، واجب المقتدر وقد كنا المقتدرين آنذاك.

أما إنها فاشلة فذلك حكم المتسرع، وربما يكون للتاريخ رأي آخر، ولكن دعنا نفترض أنها كانت فاشلة، أليس هذا طبع الحروب، ألم تدخل أميركا نفسها حروباً فاشلة وأهلكت من أبنائها وأبناء العالم أناساً كثيرين، هل نقول إن الديكتاتورية وحكم الفرد في أميركا هي التي أوقعتهم في هذا الفشل.

ماذا حققت أميركا في فيتنام؟ وماذا حققت دول الحرب العالمية الثانية في تلك الحرب؟!

§         لكن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً، فقد تركت آثاراً مدمرة على مستقبل العراق ومستقبل المنطقة!

صدّام: لنقل إنها كانت خطأ فادحاً، ألا يخطئ القادة الشرفاء أحياناً؟ لماذا في هذه البلاد يخرج المرء من زمرة "الأوليا" إلى زمرة "الشياطين" بخطأ أو أكثر

§         ولكنك متهم بالقمع والاستبداد والطغيان ضد شعبك وهذه جرائم وليست مجرد أخطاء؟

صدّام: يستطيع الإعلام الصهيوني وتوابعه في المنطقة أن يحولوا الشيطان إلى ملاك والعكس.. ضع في حسبانك رغبتهم في إعدامي معنوياً قبل إعدامي جسدياً.. وضع في حسبانك مبالغات الخصم ضد خصمه ثم أجبني بعد ذلك. من الذي يستطيع أن يحكم عدداً من الطوائف المتناقظة المتنابذة دون أن يكون مستبداً؟!..

إن عدم الاستبداد في وطن الطوائف لا يعني إلا انفراط العقد وذهاب الريح، والديكتاتورية العادلة خير من الرفاه الظالم..

ثم قل لي أيها الناسك، ما حكم الخارجين على الإمام والوطن في الشريعة والقانون، ما حكم الولاء للعدو؟!

§         وهل تظن نفسك إمام عدلٍ حتى تطالب الناس بعدم الخروج عليك!

صدّام: يبدو أنك لا تعرف الفقه الإسلامي.. إن الخروج على الحاكم عند الفقهاء محرم حتى لو كان الحاكم فاسقاً متغلباً، ما لم يروا منه أو من نظامه كفراً بواحاً، فهل يستطيع أحدُ أن يقول بكفر صدّام أو نظام حكمه، وإذا وجد من يقول بذلك فهل كلامه ملزم للمسلمين مع وجود من يقول بعكس ذلك.

§         هذا كلام نظري لا يبرر سفك الدماء، فللدماء حرمتها؟!

صدّام: والوطن له حرمته، ووحدة الجماعة والصف لها حرمتها،وحرمة الوطن والجماعة مقدمتان على حرمة الفرد والطائفة!

ثم إنكم تصورن الأمر وكأن العراق كان غابة أيام حكمنا وليس دولة مهابة.. إنها مبالغات إعلامية سيذكر التاريخ كم كانت مجحفة.

§         ولكنك جئت إلى السلطة بقوة السلاح والكيد.. وهذا طريق غير مشروع في الوصول إلى هذا المحل الخطير؟

صدّام: وهل جاء معاوية بن أبي سفيان وهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي عن طريق الانتخابات؟

§         وهل تسوي نفسك بأمثال هؤلاء؟

صدّام: أنا أقارن فعلي بفعلهم ولا أقارن شخصي بأشخاصهم.. لقد أعطى الفقهاء الشرعية للحاكم المتقلب بالسيف وقضوا بوجوب طاعته ما دام مسلماً.

§     ذلك خطأً وقع فيه طائفة من الفقهاء، وكان ينبغي أن لا يمنحوا الشرعية لمثل هذا السلوك في الوصول إلى السلطة لأنه يؤسس للديكتاتوريات وينسخ مبدأ الشورى؟

صدّام: لماذا يجوز أن يخطئ الفقيه ولا يجوز أن يخطئ صدّام؟

ولماذا تغفرون أخطاء الفقهاء ولا تغفرون أخطاء القادة مع أن الأولى أشد وأنكى على الأمة من الثانية لعمق أثرها وسعة امتداده.

§         الشيعة يتهمونك بتعذيبهم والتحيز ضدهم؟

صدّام: أنا متهم بتعذيب الجميع، أو قل إنني متهم بعدالة التعذيب! ثم إنهم يعذبون أنفسهم بأيديهم في بعض طقوسهم الدينية بأشد مما عذبتهم المخابرات، جلداً بالسلاسل وضرباً بالفؤوس فإذا كانوا يتقربون إلى الله بهذه الأفعال، فلماذا لا يتقربون إلى الله بالصبر على تعذيب المخابرات عندما يخطئون.

وأما التحيز ضدهم فتهمة يبرأني منها العدو قبل الصديق.

§         صدّام.. أنت رجل يكرهه العراقيون أو معظمهم فماذا تقول؟

صدّام: لو سلمت جدلاً بما تقول –وهو غير صحيح- فإن صدّام رجل محبوب عند شعوب إسلامية وعربية أخرى، ضع في حسبانك شهادة الشعب الفلسطيني مثلاً..

هذه شهادة شعب يقاوم الإحتلال وتلك شهادة شعب يتعاون مع الإحتلال.. أي الشهادتين أرجح في الميزان؟!

§         ترى لماذا خذلك الشعب العراقي لو لم تكن مكروهاً؟

صدّام: وهل كان الحسين عليه السلام "ديكتاتوراً" حين خذله العراقيون وهل كان ابن العلقمي يكره "صدّاماً" حين باع وطنه وأرشد التتار إلى بغداد؟! إنهاها الخيانة تجري في عروق هؤلاء.

§         لقد أقترفت خطاً فادحاً بغزوك للكويت فما دوافعك لهذا الغزو؟

صدّام: الكويت "الجغرافيا"، جزء من العراق بشهادة التاريخ والجغرافيا اقتطعه الاستعمار البريطاني العراق كما اقتطع فلسطين من الشام.  

§         ولكن الكويت دولة مستقلة ولها حضورها القانوني في الأسرة الدولية؟

صدّام: من أعطاها هذه الشرعية أليس الاستعمار؟ ومتى كان للاستعمار شرعية حتى نصادق على أفعاله وأقواله.

§         إن منطق الأمر الواقع هو الذي أعطاها الشرعية في الاستقلال والسيادة كما أن تلك هي رغبة شعبها أيضاً؟

صدّام: إذا كان فرض الأمر الواقع يمنحه شرعية البقاء، فلماذا لا تؤمنون بشرعية الحاكم المتغلب بالقوة للوصول إلى سدة الحكم بهذه الطريقة ما دام أمراً واقعاً؟ أليس أولى من الاستعمار؟!!

وإذا كان شعب الكويت يحب أن يعيش مترفاً في ظل دويلة ضعيفة فإن شعوب المسلمين جميعاً يحبون أن يعيشوا في ظل دولة موحدة ذات قوة ومنعة، تستغل ثروتها ضد عدوها وفي بناء الإنسان فرغبة من تقدمون.

ثم أنكم معشر المثقفين أصحاب تناقض، تطالبون حكامكم بالسعي إلى الوحدة طوال الوقت فإذا جاء أحدهم وفعلها بالقوة قلتم هذا استبداد غير مقبول، وهل تتوقعون أن تتم وحدة المسلمين برضى حكامهم أو بمجرد رغبة شعوبهم؟ لقد أخبرنا لتاريخ مع صلاح الدين وسيخبرنا التاريخ فيما سيأتي من الأيام بأن القوة هي السبيل الوحيد لتوحيد العرب وإعادة مجدهم.. ومن كانت له نظرية غير هذه فليقنعنا بها إن استطاع.

§         ألم يكن من الأجدى أن توجه قوتك تجاه إسرائيل بدلاً من الكويت؟

صدّام: لقد قال صلاح الدين الأيوبي إن الطريق إلى القدس تبدأ من القاهرة ورأيت أنا أن الطريق إلى القدس تبدأ من الكويت.. بسبب فارق التوقيت!! والفرق بيننا أن الكويت جزء من العراق الطبيعي وأما القاهرة فليست جزءاً من الشام، فمن الأقوى حجة أنا أم صلاح الدين؟!

§         ولكن صلاح الدين كان صادقاً في السعي لتحرير القدس وأما أنت.. (يقاطعني صدّام قائلاً)

- مهلاً.. إنك تتحدث عن نوايا في الضمائر فهل تسربت إلى نفسي حتى تحكم على نواياي؟

§         أعمالك دالة على نواياك؟

صدّام: الإسرائيليون يدركون أكثر منك ومن أمثالك العرب كم كان وجودي خطراً عليهم، ويدركون ما فعلت ضد وجودهم.. وبعد أن ينجلي الغبار ستعلمون ما فعل صدّام حسين من أجل فلسطين. ومن أجل العراق والأمة.

§         دعنا نعود إلى غزوك للكويت.. يقال إنك بهذا الخطأ قد أدخلت أميركا إلى المنطقة، وأدخلت المنطقة إلى بحر الظلمات؟ فما ردك؟!

صدّام: هذه حجة معاوية عندما قيل له إن فئتك قتلت عماراً والنبي صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية فرد عليهم معاوية قائلاً قتله الذي جاء به!، يعني الإمام على كرم الله وجه.. فمن قتل عماراً .. ، أما قولهم إن المنطقة والعرب جميعاً قد تأثروا بهذا الغزو وتلك الحرب سلباً وأرجعتهم إلى الوراء عقوداً في مختلف مجالات الحياة فذلك إن صح ليس فيه مأخذ حقيقي علينا وهذه عادة الحروب.. إننا لو قيمنا فترة حكم الخليفة الراشد الإمام عليّ كرم الله وجه وحربه مع معاوية لظهر لنا أنها من أسوأ فترات المسلمين في التاريخ! فقد  تراجعت في عهده الفتوحات وانبثقت الطوائف والعقائد المنحرفة وتمزق صف المسلمين وما زالت آثار ذلك الخلاف قائمة حتى اليوم تعمل عملها في تمزيق المجتمع الإسلامي والثقافة الإسلامية.. فهل يقدح ذلك في شخص الإمام علي ونواياه وحسن سيرته في بقية الأمور؟ أم نخضع الأمور لمنطق آخر أكثر عمقاً وشمولاً.

§         يقال إنك في الفترة الأخيرة لجأت إلى الخطاب الديني لتملق الجماهير الإسلامية ودغدغة عواطفها؟

صدّام: إن صدّام حسين لا يجيد التملق ، ولو كان من هذا الصنف لنجى بنفسه وأهله وسلطته بتوقيع يعترف فيه بدولة إسرائيل.

§         الكثير بتهمك بالعمالة لأمريكا؟

صدّام: لقد اتهمت مريم بالزنى واتهمت عائشة بالإفك واتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. هل نصدق كل هؤلاء لمجرد أنهم قالوا؟.. أم إن الحقد أعمى؟ (ويستطرد)

الأمر يحتاج إلى نظافة سرائر ونظافة عقول قبل الخوض فيه.

§         صدّام حسين، مرة أخرى هل أنت الجلاد؟

صدّام: بل أنا الضحية.. ضحية شعب ممزق متناقض لو حكمته الملائكة لرأوا فيها إعوجاجاً لأنها ليست من الطائفة.. وأنا ضحية زعماء خونة باعوا أوطانهم للأجنبي وباعوني معها، وأنا ضحية أمة ذليلة مكسورة لا تجيد غير البكاء والنحيب، وضحية ثقافة "مدخونة" لا تصلح للاستهلاك الأدمي!، توارثناها جيلاً بعد جيل فأورثتنا عجزاً بعد عجز.

وأنا أخيراً ضحية الثبات على المبدأ والشجاعة في مواجهة العدو، والوفاء لطموحات الأمة..

§         لماذا لا يرى فيك البعض إلا صورة الجلاد ولا يرون صورة العادل الشجاع الشريف؟

صدّام: لأن الناس في أوطاننا لا يرون الأشياء إلا في لونين – الأبيض أو الأسود ولا مكان لديهم لبقية الألوان، ولأنهم ينطقون بلسان عواطفهم لا بلسان العقل، إن قانون النسبية لم يدخل بعد إلى الخدمة في العقل العربي!!

§         ماذا يحب أن يقول صدّام حسين في ختام هذا اللقاء؟

صدّام: أحب أن أذكر قومي بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "إرحموا عزيز قوم ذل" وأحب أن أقول لهم: إن كان صدّام قد وقع في الظلم فلا تقعوا في ظلم صدّام حسين،

وأخيراً أحب أن أنبههم إلى أن مصيرهم ليس بعيداً عن مصير صدّام حسين مع فارق الجهد والنية.

وحسبي الله ونعم الوكيل.

 

 

 

 

فليسقط الحراج !

                                                      عصام القيسي

esamsk@hotmail.com  

قلت مرة إن الكتابة في الشئون الفكرية نوع من الولادة القيصرية , وفي بلاد العرب نوع من المشي في حقل من الألغام لاتدري متى ينفجر تحت قدميك, فلا تقتصر معاناة الكاتب على الخطوط الحمراء والأسلاك الشائكة التي تمنعه من الوصول إلى الحقيقة في قصرها المرصود, ولا على مشكلات توضيح الغامض وتقريب البعيد للقارئ البسيط والقارئ الوسيط ـ وهي مشكلات لاشك مزمنة ـ بل تتعدى ذلك إلى ضرورة خوض معارك ضارية من أجل تأكيد بدهيات كان ينبغي التسليم بها دون نقاش , لولا أن الخريطة الإدراكية للقارئ مشوشة أو مزورة !.

و الكاتب المسكين لا يدري هل يصرف طاقته ووقته في توضيح أفكاره الواضحة, أم يصرفها في تعريف القارئ بمشكلات التلقي والاستقبال التي لديه, أم في بيان الأسباب الجذرية التي جعلت من القارئ كائنا مستعصيا

على الفهم !.

ولكاتب هذه السطور تجربة عميقة في هذا النوع من المعاناة سواء مع قرائه أو مع طلابه في الجامعة أو مع زملائه وأساتذته في سوق الفكر والمعرفة , خلص فيها إلى قناعات راسخة بأن العقل العربي بحاجة إلى ثورة شاملة تعصف بأوهامه المقدسة وأصنامه المكدسة وتعيد ترميمه وترتيبه وتأهيله بما يتناسب مع طموح أمة محترمة كان ينبغي أن توجد !.

إنني لا أرى فرقا كبيرا بين العقل العربي و سوق الأنتيكا ( الحراج ) من حيث المحتوى !,إنها نفس الأدوات المستعملة والناقصة وغير المتجانسة والقديمة المتهرئة والرخيصة ونفس الزبون الفقير , وما عليك سوى استبدال كلمة (أفكار)  بكلمة (أدوات) لترى أن الصورة هي هي !, و الراسخون في العلم يدركون هذه الحقيقة ويخافون التصريح بها لأن الجمهور في زعمهم لن يتقبل منهم بسهولة ولن يرحمهم إذا غضب,  وهكذا صار الجمهور إله يخشى من دون الله !.

وعلى إثر سنوات من الجدل الفكري و الكتابة الصحفية الناقدة لهذا العقل كان السؤال الدائم الذي أسمعه هو : لماذا تتعمد استفزاز الناس بأفكارك المخالفة والجارحة , الناس لا تتقبل من يخالف مسلماتها , وكانت إجابتي دائما: لسنا في برنامج ما يطلبه المستمعون كي نلبي رغبات الناس نحن أمام مشكلة حياة أو موت , حياة أمة ومجتمع أو موت أمة ومجتمع , ولا مهرب من مشارط النقد الجراحي وإسالة الدماء في سبيل الشفاء مهما كان الألم كبيرا , وليس طبيبا من يدخل على الأمة غرفة العناية المركزة بحبوب الأسبرين , ثم إن تاريخ الأكثرية الجماهيرية في القرآن الكريم وفي الواقع أيضا تاريخ غير مشرف " إن تتبع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " , هذه الأكثرية ومعها أشباه المتعلمين وأشباه العلماء تتناقل المعرفة من جيل إلى جيل كما يتناقل المشيعون جنائز الموتى , فلا أحد يجرؤ على التفتيش فيها أو معرفة حقيقتها وما إذا كانت جنازة ميت حقا أم جنازة  مخدرات كما حدث في الفيلم العربي !.

هؤلاء الفقراء إلى المعرفة لا يعلمون أن الأمة عاشت 1400 سنة في حالة مخاض عسير لم تجد خلالها فرصة حقيقية لنقد ومراجعة ميراثها الثقافي بمناهج علمية رصينة  ومازالت تتعيش على فتات الآباء والأجداد بالرغم من كل العفن الذي أصابه !وهم لا يعلمون أيضا أن كثيرا من معتقداتهم وتصوراتهم الموروثة كانت في يوم من الأيام مجرد افتراضات وآراء ونظريات في رؤوس أصحابها  , وهي اليوم عندنا أبقار مقدسة لايمكن المساس بها فما بالك وكثير منها أكاذيب مخترعة يفضحها المستوى الأول من التحقيق , ثم تجد بعد ذلك من يتساءل مستغربا : كيف عبد الناس الأصنام ؟!.

لقد ضربت مئات الأمثلة الدالة على وجود كارثة قومية اسمها العقل العربي بمضامينه الدينية والتاريخية والاجتماعية الفاسدة , وتحدث المختصون عن ضرورة تخليص الإسلام من جاهلية المسلمين ومن الزوائد الدودية التي أدخلوها عليه في سنوات القحط المعرفي والانحطاط الثقافي لكن الأكثرية التي أدمنت المشي أثناء النوم مازالت تفضل ( الجني الذي تعرفه ) على الحقيقة التي لاتعرفها !وليشرب العقل من البحر.

 

 


مذكرات قهرمان

هذه مذكرات لشخصية ورقية ليس لها وجود واقعي.

 

سفر الخروج !(1)

 

لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة بالنسبة إلي عندما قررت والدتي ذات ليلة المجيء بي إلى هذه الدنيا ,فقد كان مجيئا قسريا كمجيء الصيف والشتاء , لم تأخذ فيه مشورتي حتى الآن !.

تقول والدتي إنه كان يوما عاديا مثل معظم أيام قريتنا العادية فلا السماء ملبدة بالغيوم ولا الأرض ملبدة بالغبار ولا الوجوه ملبدة بالحزن كما هي عليه اليوم !.

ساقية الماء التي أسفل بيتنا الكبير تصب في حوضها الصغير كالعادة , وهذا الأخير ينصت إلى ثرثرتها بصبر عجيب منذ عشرات السنين ـ أي قلب كبير يحمله ذلك الحوض الصغير ـ وأصوات الضفادع في المساء المقمر هي الشيء الوحيد الذي يذكرك بأن الحياة هنا مازالت على قيد الحياة !, إلا إذا قرر حمار في طرف القرية أن يتصل بصديق له في الطرف الآخر منها فإن الليلة حينئذ تكون حميرية خالصة , لأن كل حمار في القرية يحسب أنه المعني بتلك الصيحة فتتعدد الأصوات وتتحقق (بولوفينية ) باختين في أسوأ صورها ! .

في تلك الليلة المقمرة وعلى ضوء( تنكة القاز) , وثرثرة الساقية وأصوات الضفادع والحمير جئت إلى هذه الدنيا عاريا إلا من البكاء !.أول الأمر لم يعجبني هذا الاستقبال الفاتر من قبل الطبيعة , إذ كيف لشخص بأهميتي أن يحضر إلى الدنيا بدون ضجيج يليق بمقامه ! , بلا إحدى وعشرين طلقة في الهواء, بلا نشرة إخبارية كاملة, بلا زلزال يضرب القرى المجاورة, بلا كسوف أو خسوف , بلا علامة من علامات الظهور المهم , ثم تأكد لي لاحقا أني لست مهما إلى ذلك الحد !.

اليوم وقد تبدل الزمن وأهله , وصارت التنكة (أباجورة) وصارت الساقية شارعا للسيارات , وصارت أصوات الضفادع ثقافة , وأصوات الحمير سياسة !, أدركت كم أن الحياة عميقة وذكية حين تخاطبنا برموزها الغامضة منذ الوهلة الأولى .

ومنذ ذلك الإدراك وأنا أطرح سؤالا واحدا أمام كل الظواهر التي ألقاها هو (لماذا), لماذا هذا أو ذاك, لماذا أي شيء وكل شيء ؟.

لماذا .. سؤال تفرح به الحقيقة ويحزن له الوهم, سؤال يحفل به الثوار والمجددون ويتجاهله الببغاوات والمقلدون , سؤال يجعل منك كائنا مستقلا ومختلفا عن الكثرة الكاثرة من محبي الركود والمشي أثناء النوم ! , سؤال يطعنك بوردة ويوصلك إلى الله.. لمـاذا ؟.

مذكرات قهرمان

سفر الحرية !(2)

 

لا أستطيع أن أنسى ذلك الصباح حين خرجت إلى الشارع عاريا كأفكار سارتر, أجري وأضحك  وأصوات النساء والمارة تطاردني ككلب بوليسي فقد حاسة الشم من سنين !.

وصلت إلى مسامعي كلمات كثيرة مثل ( استحي, عيب, يا...) دون أن أعيرها أدنى اهتمام فأنا أمارس حريتي ومن حقي أن أمارس حريتي من أقصاها إلى أقصاها , فهل ممارسة الحرية عيب ينبغي الاعتذار عنه , ثم هل حقا أن هؤلاء لايحبون العري ولا يمارسونه ! أم أنهم يتمنون في قرارة أنفسهم أن يفعلوا مثلي لولا أنهم لا يملكون الشجاعة والحرية الكافيتين 1.

لم يدم الأمر طويلا فقد ألقي علي القبض بعد جولة واحدة من المطاردة وأنا أحاول الاختباء في مسجد النساء ولابد أنكم تعرفون بقية القصة !.

وحين سألتني جدتي بعد ذلك عن السبب الذي دفعني إلى ارتكاب تلك الحماقة قلت لها وأنا أبكي إن "الحنفاشي" ـ وهو اللقب الذي كان يطلق على زميلنا المعتوه ـ قد خرج قبلي عاريا إلى نفس الميدان ولم يعاقبه أحد فلماذا أنا ..

والحقيقة أني قلت لجدتي نصف الحقيقة فقط ! فقد كان الشارع خاليا من المارة حين خرج زميلي العاري قبلي بعكس خروجي تماما.

لم تكن تلك آخر حماقة أرتكبها آنذاك فبعدها بشهور كنت على موعد مع حماقة جديدة .

في ذلك الصباح انحنيت لألتقط بقية سيجارة رماها أحد المدخنين بجواري وذهبت أفعل بها ما يفعل المدخنون , لكني لم أكمل النخس الأول إلا في حوض الماء الذي كنت أقف على حافته .. ببساطة لقد تلقيت صفعة كاملة على قفاي من الرجل الضخم الذي كان يقف خلفي دون أن أشعر قذفتني في الماء (تبينت لاحقا انه جدي ).

في الحقيقة لم أكن آنذاك عضوا في أية جمعية للعراة يوم خرجت عاريا ,ولا كنت من هواة التدخين يوم وضعت السيجارة في فمي , لقد كنت ببساطة طفلا صغيرا يحب تقليد الآخرين , وعندما كبرت أدركت أن التقليد عمل طفولي لايليق بالشخصيات الكبيرة ولا بالمجتمعات المحترمة, وكانت صدمتي كبيرة يوم وجدت جيشا جرارا من شيوخ الدين والمثقفين يعملون في حراسة التقليد والجمود ثم يقولون هذا من عند الله!.

مازال التعليم البنكي ـ كما يسميه باولو كويلو ـ هو السائد في مجتمعاتنا حيث يقوم المعلمون بإيداع المعلومات في رؤوس التلاميذ كأنهم حصالات أو بنوك يتم استرجاعها لاحقا بفوائد ربوبة محدودة !,ومازالت قيم الأصالة والثبات هي المقدسات الاجتماعية الأولى التي لايمكن المساس بها بالرغم من آثارها المدمرة على مستقبل هذه المجتمعات , ومازال التجديد علكة تلوكها ألسنة المثقفين والمتدينين لاتلبث أن ترمى في أقرب صندوق قمامة بعد الانتهاء من حلاوتها , فمن أي طريق تأتي الحرية والإبداع والحياة الكريمة وقد سدت أمامها الأبواب ؟ اللهم لاجواب .

 

 

مذكرات قهرمان (3)                                                                      

                                                                            سفر الأصدقاء

هل الأصدقاء كائنات ضرورية في حياتنا ؟ أم أنهم زوائد دودية لا حاجة لنا بها ؟ و أسئلة أخرى كثيرة على هذه الشاكلة كنت أسأل بها نفسي كلما خلوت إليها وتفكرت في أصدقائي الكثيرين مثل الحصى والكلام, وكنت في كل مرة أخرج مقتنعا بأن الحياة بلا أصدقاء ليست ممكنة فقط وإنما جميلة أيضا !.

ما الذي يفعله الأصدقاء في حياتنا بالتحديد , سوى أنهم يفتحون الأبواب الخلفية للغزاة , ويتسلون بأوجاعنا السرية , ثم يسطون على أفكارنا ويبيعونها في السوق السوداء ممهورة بتوقيعاتهم !.

و لأن الصداقة وظيفة لا شعار فإن الفعل هو ثمرتها لا الكلام, وفعل الصداقة هو فعل الصدق. يقول صديقي إنه يحبني , فأقول له: دعني أشعر بذلك ولا تخبرني , وأدخل أنا وصديقي غرفة نوم (تشيخوف) قيصر القصة في روسيا والعالم وأشير إلى الجدار قائلا : أنظر يا صديقي إلى هذه الصورة , إنها صورة (تولستوي) أعظم روائي روسي, علقها تشيخوف في أهم مكان ببيته دون أن يشعر بالغيرة كما يحدث عند أصحاب المهنة الواحدة ,مع أنهما لما يكونا صديقين بالمعنى المألوف, فيا ترى أين علقت صورتي أنت؟! وأقلب كتابا بين يديه قائلا :أنظر يا صديقي هذا مقال للشاعر الفلسطيني (سميح القاسم) يتحدث عن رفيقه في الشعر والنضال (محمود درويش) , ضع يدك الباردة عليه تشعر بالحرارة والدفء!, وهذا (تودروف) الفرنسي ينعي (إدوارد سعيد) العربي كما ينعي ولده , فماذا قلت عني يا صديقي و أنا حي ؟!

إنني أتساءل : أين كان أصدقاء (تولستوي) الروائي الروسي العظيم وصاحب (الحرب والسلام) عندما قرر أن يغادر بيته إلى مصير مجهول بسبب الضيق الذي لاقاه من أهله بعد أن ضرب أروع الأمثلة في سمو النفس وعظمتها بتحرير عبيده وتوزيع أملاكه عليهم ؟ وأين كان أصدقاء (أرنست همنجواي) الروائي الأمريكي والعالمي الشهير يوم قرر الانتحار ببندقية الصيد بعد أن حاصرته الوحدة والمرض وهو الحاصل على جائزة نوبل عن روايته الشهيرة (الشيخ والبحر) ؟ وأين كان أصدقاء (دايل كارنيجي) صاحب أروع الكتب في فن التعامل مع الناس وعرفه العالم بكتابه (دع القلق وابدأ الحياة) يوم قرر الانتحار يأسا ووحدة  ؟! وأين كان أصدقاء الفنان العالمي الهولندي (فان جوخ) الذي تباع لوحاته اليوم بملايين الدولارات يوم أمسك مسدسه وأطلق على نفسه الرصاص ؟!

و مئات المبدعين والمؤثرين والعظماء ماتوا وحيدين في شققهم أو في المصحات النفسية دون أن يجدوا يدا حانية تربت على أوجاعهم وأحزانهم سوى يد اليأس والبؤس.

هل مازال الأصدقاء ضروريون في حياتنا ؟ وهل نعجز عن العيش بلا أصدقاء ؟ لو كان أبو ذر الغفاري حيا لطرحنا عليه السؤال , لكنه مات وحيدا في الربذة أيضا بلا أصدقاء سوى الحقيقة والشرف .

وهكذا ينصحنا (شوبنهور) فيقول " لا تخطئ في حق  نفسك ودع هذه المهمة لأصدقائك وسيقومون بها على أكمل وجه !"

و لهذا قررت أن تكون الحقيقة صديقتي الوحيدة, وأن يكون الكتاب رفيقي الدائم لكي أحب أصدقائي أكثر! .

 

 

مذكرات قهرمان (4)

لعبة الظلم

 

في نهار ذلك اليوم كنت ألعب بسعادة بالغة مع زمرة من أصدقائي في الحارة المجاورة , وكانت لعبة (الغماية) تقتضي أن يغمض أحد اللاعبين عينيه حتى يتمكن بقية اللاعبين من الاختباء في أماكن سرية غير متوقعة , وبإشارة من آخر المختبئين يفتح اللاعب عينيه ثم يبدأ في البحث عنهم, وأول من يتم إلقاء القبض عليه منهم يكون عليه الدور في إغماض عينيه والبحث عن المختبئين , وهكذا حتى يتعب الجميع !.

بعد الانتهاء يبدأ اللاعبون في استرجاع تفاصيل ما حدث والتباهي بقدراتهم الذكية في فن الاختباء واختيار الأماكن غير المتوقعة: منزل مهجور, زريبة بقر, مخزن قش, بيت دجاج, خزان ماء فارغ, شجرة كثيفة, بطن سيارة مرتفعة, وغيرها من الأماكن الخطرة والقذرة في أغلب الأحيان .

أخذنا وقتا طويلا في اللعب ذلك النهار حتى قاربت الشمس من المغيب, ونفدت كل الأماكن الصالحة للاختباء, فالسري منها لم يعد سريا وغير المتوقع صار متوقعا, ولابد من اكتشاف أماكن جديدة لا تخطر ببال أحد. التفت إلى صديقي وأشرت عليه بالاختباء في بيت السيدة العجوز, وهو بيت طيني مظلم مكون من طابقين, لا يدخله أحد سوى العجوز والأشباح !, وفي طابقه السفلي قررنا الاختباء, ولم نخرج من هناك إلا بعد أذان المغرب, أي بعد انتهاء اللعبة بنصف الساعة !.

في صباح اليوم التالي كنا مع المفاجأة : بيت السيدة العجوز تعرض ليلة البارحة للسرقة والمتهم الرئيس في القضية الفتى (قهرمان), فقد رآه شهود عيان يخرج من منزلها بعيد المغيب!.

كانت تلك أول تهمة ظالمة أتعرض لها في حياتي وأعاقب عليها ظلما, و

 كان شاهد العيان الذي رآني أدخل بيت العجوز هو صديقي الذي اختبأ معي يومها !, ولاحقا كان هو اللص الذي سرق العجوز!.

آلمني كثيرا أن يظن بي أهلي سوءا, وآلمني أكثر ألا يستطيع  الناس تمييز الصادق من الكاذب, وبلغ بي الحزن ذروته لأني لم أستطع الدفاع عن نفسي كما يجب.

هل كان ينبغي أن أتعرض لتلك الجرعة من الظلم في صباي لكي أتعلم الاستماع بأذن واعية إلى المتخاصمين اليوم؟ هل كان من الضروري أن أقترف خطأ الدخول سرا إلى منزل العجوز حتى أتعلم الحرص والبعد عن الشبهات لاحقا؟ ربما نعم .

في صباي كنت أتساءل بعمق : من يحمي الحقيقة؟ واليوم أتساءل بعمق أيضا: كيف يمكنني حماية الحقيقة؟!, في صباي كنت أعلن الحرب على كل من يظلمني أو يخدعني, واليوم أنظر إلى وجه قاتلي بتمعن لعلي أجد فيه ملمحا للبراءة تمكنني من السؤال: لماذا تفعل هذا ما دمت غير مضطر إليه؟!.

قد يبدو الشر ذكيا غاية الذكاء, لكنه في الحقيقة غبي لأنه يتجاهل الزمن والصيرورة فيقع في الفخ!.

 

 

 

 

 

 

 

مذكرات قهرمان 5

لعبة الكذب

هل نستطيع أن نحصي عدد كذباتنا في اليوم الواحد ؟ أظن أننا لوفعلنا ذلك لن نستطيع مواصلة الكذب في اليوم الذي يليه, لأننا سنكون قد أرهقنا من العد والحساب في اليوم السابق!.

وهل حقا أن الكذب ملح الحياة ؟ ..إننا نسمع أن النكد ملح الحياة, وأن الظلم ملح الحياة, وأن الأصدقاء ملح الحياة وأن الزوجة ملح الحياة وأن الفشل ملح الحياة, ولا أدري لماذا تحتاج حياتنا إلى كل هذا القدر من الملح! وكأن حياتنا مليئة بالسكر والعسل حتى نشتاق إلى الملح!.

لا أتذكر بالتحديد أول كذبة كذبتها في حياتي لكنها كانت بالتأكيد بريئة !, أما كيف عرفت أنها بريئة فبالحسبة التالية : بما أني أمارس لعبة الكذب حتى هذا الوقت فهذا يعني أن لهذه العادة جذورا قديمة هناك في عالم الطفولة , ولا يستطيع الطفل إلا أن يكون بريئا في كل ما يفعل ( انظروا إلى هذا الاستدلال اللطيف, إنه يشبه استدلالات المتكلمين في العصر العباسي! ).

إنما لماذا يكذب الإنسان ؟ ( لم أعد أصدق حكاية الملح ) ولعل أسهل الإجابات على مثل هذه الأسئلة تكمن في ( المتعة والمنفعة ) يعتقد الكذاب أنه يحقق منفعة ما أومتعة ما , ومع ذلك فإني لم أجد حتى الآن كذابا حقق منفعة حقيقية أومتعة صافية , بما فيهم أولئك الزعماء الذين يديرون شعوبهم بوسائل الكذب المتطورة , والواهمون وحدهم يظنون أن الكذب يصنع خلاصا ومجدا.

وأنا أطل من شرفة التاريخ أجد صورا بارزة من إنجازات الكذب هنا وهناك يستطيع الشيطان أن يفخر بها ويتباهى !, أرى أساطير قد صارت مذاهبا وأديانا, والأديان قد صارت مجتمعات, والمجتمعات قد صارت دولا, والدول عاجزة عن رؤية الحقيقة !.

أسطورة صلب المسيح وربوبيته , أسطورة صاحب الزمان الذي دخل السرداب ولم يخرج,أسطورة دولة إسرائيل, وأساطير كثيرة لا تحصى يرضعها الإنسان من لحمه ودمه حروبا طاحنة!, تجعلني أتساءل هل الكذب أقوى من الإنسان؟ ربما.. لكنه ليس أقوى من الحقيقة!, وأعود إلى يقيني فأسمعه يحدثني: عندما تأتي الريح ـ والريح لابد أن تأتي ـ ستقتلع الأشجار التي بلا جذور.

وإذا كان العلم هو عدو الكذب والوهم والمصالح الضيقة كما يقول توبي .أ.هف فقد تحددت مهمتنا تجاه هذا الوباء, ولهذا انحني احتراما لكل من الرجال التالية أسماؤهم: الأستاذ أحمد الكاتب الشيعي الذي كشف خديعة السرداب, والأستاذ أينوك باول المسيحي الذي كشف خديعة الأناجيل والأستاذ كمال الصليبي المسيحي الذي كشف خديعة الصلب وخديعة أرض إسرائيل و حسن المالكي ونعوم تشومسكي وكيث وايتلام وموسى الموسوي وروجيه جارودي وقافلة طويلة من الشرفاء لا يسع الوقت لذكرهم.

 

 

 

قصــــــــــــــائدي

 

 

 

 

 

 

وطن في القصيدة

    عصام القيسي

يطلبون مني في المناسبات الوطنية و في تصفيات كرة القدم الإقليمية أن أقدم رأسي في سبيل الوطن, بينما هذا

الوطن لا يستطيع أن يقدم لرأسي غرفة نوم صغيرة يضع فيها رأسه للراحة قبل أن أقدمه هدية تذكارية له!,

 بل لا يستطيع أن يعفيني من إيجار شهر واحد عن الكوخ الذي أسكنه!.

يقولون إنه مسقط رأسي, وأنا لا أنكر ذلك , ولكن عليهم أن يعلموا أن هذا الوطن لم يسقط فيه رأسي فقط

بل سقطت فيه كرامتي وأحلامي أيضا!.

أنا لا أكره الوطن كما يظن المتفائلون, وإنما وطني هو الذي يكرهني, إنه يرفع مسدسه في وجهي كلما رفعت وردة

في وجهه, ويقطب جبينه كلما ابتسمت, ويرغمني على أداء التمارين السويدية كلما طالبته بحق من حقوقي !.

دعوني أقولها صريحة: أنا لا يعنيني مسقط رأسي بل مسقط قلبي ! حيث وطني الجميل الذي يغتسل ثلاث مرات

في اليوم, وينظف أسنانه قبل الأكل وبعد الأكل !.

وطني البريء الذي يلهو مع الأطفال حافي القدمين , وطني الحنون الذي يحكي لي حكاية السندريلا والسندباد والشاطر

حسن حتى يداهمني النوم , ويرش على وجهي الماء إذا تأخرت في السرير , ويأخذ بيدي عندما أجتاز الطريق إلى المدرسة .

وطني الوفي الذي يبعث لي هدية في عيد ميلادي , ويأخذ لي صورة تذكارية إلى جانبه إذا نجحت , ويربت على كتفي إ

ذا فشلت , ويقبلني على جبيني إذا أعجبته محاولتي الشعرية!,

وطني العادل الذي يقتسم معي رغيف الخبز وأوجاع القلب , ويهرول إلى الشارع بملابسه الداخلية إذا شعر بخطر يداهمني.

الحق أقول لكم إن الوطن العظيم هو ذلك الذي يقوم بوظيفة الأنبياء في الهداية إلى معالي الأمور فأي وطن هذا الذي

يحولني إلى شيطان!.

 

*رسالة إلى وطني المسافر

*عصام القيسي

 

لك المجد ياوطني والخلود
ولي أن أموت على هذه المقبرة
سألتك بالله ياوطني أن تعود
سندفع ما شئت من ثمن التذكرة !
ونجلس فوق المقاعد حتى المساء
تعال إلينا
تعال إلينا
فمازال في القلب متسع للبكاء
ومازال في الحزن منطقة شاغرة.
يقولون إنك أجريت بعض الفحوصات للقلب
إنك تحتاج للقسطرة !
يقولون إنك تبكي كثيرا علينا
وتلعن أحوالنا المنكرة !
يقولون إنك تكتب فينا قصيدة عشق
ويذبحها عنترة !
سلامات يا سيد المتعبين
ويا أول الأنبياء إلينا
ويا آخر المرسلين !
سلامات.. هل سنراك قريبا ؟
تعبنا انتظارا إلى الآخرة !
فبالله يا وطني أن تعود
لأجل المحبين في شعرنا
لأجل المواويل في جرحنا
لأجل العصافير فوق الشجر
لأجل السماء
لأجل المطر
لماذا سئمت الحياة لدينا
لماذا عشقت السفر؟
وكيف تقضي الحياة على طائرة!
أتسألني عن رفاق العمل ..
بثينة تهديك مولودها والقبل
جميل له طفلة رائعة..
شعرها مثل أيامنا
آه من شعرها لو هطل !
وقيس ..
أتذكر ياوطني شعر قيس ؟
هو الآن في جولة الجامعة
يبيع أساور ليلى ..
يبيع قصائده في الغزل
ليدفع فاتورة الماء ياوطني والقطل !
ويرجوك ياوطني أن تعود
ولو في العطل !!

 مزيـــــــــكا

سياستنا الاعيب ومزيكا

ثقافتنا , سحاق الفكر مزيكا

تديننا الذي لله مزيكا

جميع شؤوننا في الحب

!أو في الحرب, مزيكا  

  إذا تابت جميع العاهرات غدا

سيبقى العالم العربي مونيكا

فهل أخطأت يا وطني

إذا قاومت أمريكا!

كتاب العين

 
إنني الهارب من وجه الحكايات
ومن وجه القمر !
سفني أحرقتها خلفي
وأيامي
وألبوم الصور !
ومراسيل العصافير
وأحلام الشجر !!
فمتى عيناك تستقبلني ,
وهي الحضن الذي يعرفني !
وهي الضوء الذي..
يغسل أقدام المطر !!

 

 

الحب المحارب

 

فإذا ما جئت من بين الخرائب
والى عينيك وجهت الكتائب!
وإذا أعلنت جمهورية للحب
في أرض العجائب !
فافتحي أبواب عينيك
لجيش الياسمين !!
واسجدي شكرا لرب الفاتحين !
وارفعي الطرحة للحب المحارب!!

 

 

                                                    امرأه خارقة! 

                                           على يديك ياقصيرةالجدائل
                                                   تغيرت معالمي
                                            وغيرت مسيرها جداولي
                                               وفي زمانك الميمون
                                                يا ثرثارة العيون!
                                                 تحضرت قبائلي
                                            ورفرف السلام في مدائني
                                           بعد اندلاع الحب والقلاقل!
                                           ومنذ نورتي الزمان والمكان
                                              عرفت كيف با لإمكان
                                              أن تصبح الدنيا جميعها
                                            بالشمس والاقمار والخمائلٍِ
                                                مدينه بداخلي !
                                               وكيف بالإمكان 
                                           أن يصبح الانسان رغم عجزه
                                                بالحب سوبرمان!

الشاطئ الثاني

لا تفتــحي أبواب أحزاني
ما عادت الذكرى بإمكاني

من يوم أن أبحرت مبتعدا
ألغيت تــاريخي وعنواني !

حـبي وأوراقي وأمتــعتي
خلفتها في الشــاطئ الثاني

عودي فما في الحب أغنية
من لحنها تهتز أغصـــاني !
"

والشعر؟" ما للشعر سيدتي!
لن تـــــــسقط الدنيا لأوزاني

هـــــذا الذي أرضعته لغتي ..
واحتـــــــل أشيائي ووجداني

للبـــــــــحر, للأسماك أكتبه

لا للتي في الشـــــاطئ الثاني

 

قالت بأن الحـــــــب موعدنا
ما كان أغباها .. وأغبــاني !!

 

 

قصة قصيرة

قصة

شجرة الجوز!

عصام القيسي

 

في مثل هذا الموعد من كل عام يختفي عن الأنظار ولا يظهر إلا في وقت متأخر من مساء نفس اليوم !.

عشرون عاما مضت وهو يداوم على طقس الاختفاء هذا دون أن يلفت انتباه أحد, بما فيهم زوجته التي عرفته منذ خمسة عشر عاما !. لم تنتبه بعد إلى مداومته على مغادرة البيت في مثل هذا الموعد من كل عام بحجة زيارة بعض الأصدقاء في الضاحية الصغيرة التي نشأ فيها قبل أن يقرر الانتقال إلى المدينة .

لم تلحظ تشابه تلك الاستعدادات التي يجريها في الليلة السابقة لاختفائه: حلاقته, هندامه, شنطة سفره التي لاتزيد محتوياتها عن : ألبوم صور قديمة, شريط كاست قديم, مسجل كاست صغير بسماعتي أذن , كاميرا تصوير فوتغرافي , ومنديل قماش أصفر رسم عليه كوخ صغير بخيوط الحرير الأحمر!.

هناك .. على بعد خمسة وثلاثين ميلاً من العاصمة تتوغل سيارة (فولفو) أنيقة في أحد البساتين الكثيفة التي تقف كحارس على مدخل الضاحية الصغيرة, وبعد قليل ينزل منها رجل يطل على العقد الخامس من العمر , مرت على وجهه عجلات الزمن الرومانسي الجميل!.

كان يحمل على كتفه شنطة سفر صغيرة وعلى أنفه نظارة سوداء تخفي وراءها حنين غامض إلى موعد لا يزال طازجاً منذ سنين, كأنه رغيف خبز  خرج لتوه من الفرن ! ويتجه بخطى ثابتة إلى مكان محدد من البستان, إلى ذات المكان الذي يتجه إليه كل عام, إلى شجرة الجوز العتيقة , إلى الشاهد الوحيد على حكاية وقعت هنا قبل عشرين عاما!.

ومنذ ذلك الحين وشجرة الجوز تلك هي أحب الأشجار إلى قلبه , حتى أن زوجته قد خلقت من هذا الحب قصصا تروى , وقبل أيام فقط دخلت إحدى صديقاتها غرفة نومها ولفت انتباهها وجود لوحة حائطية على جدار الغرفة رسمت عليها شجرة جوز كبيرة بالفحم الخشبي , محفور على جذعها باللون الأبيض الرقم (1985 ), وعند سؤال الزوجة عن سر هذه اللوحة و وجودها في غرفة النوم كانت الإجابة ضحكة عالية أعقبتها بالقول :

إن كل من يدخل هذه الغرفة  يسألني ذات السؤال, وكل ما في الأمر أن زوجي يحب أشجار الجوز كما يحب الاطفال جمع الفراشات وكما تحب ملكة بريطانيا جمع الطوابع والعملات ! ,  و أضافت للتشويق: لقد وجدت مرة ـ صدفة ـ بمكتبه ألبوما كاملا يضم عددا من الصور لشجرة جوز واحدة معلق على جذعها في كل صورة رقما مختلفا, ثم صمتت برهة وقالت: سمعت أن للعباقرة أحوال غريبة و زوجي نصف عبقري تقريبا!. و ارتسمت يومها ابتسامة صغيرة على وجه صديقتها و هي تقول : أنا أيضا أحب شجر الجوز!.

هاهو مجددا يقف أمام شجرته كما يقف المحب على أطلال محبوبته, يتأملها غصنا غصنا, ورقة ورقة, إنها لم تتغير كثيرا عن السنة الماضية , ما زالت قوية و عاتية, برغم السنين التي مرت عليها و هي واقفة في مكانها, لا شك أن هذه الأشجار  تعيش مثلنا بآمال عريضة و إلا كيف يستطيع كائن حي مقاومة كل هذا القدر من الزمن ما لم يكن  له أمل يعيش به و له!.

أخرج من شنطة سفره ورقة بيضاء مكتوب عليها الرقم (2005 ) ثم أخذ يطبعها على جذع الشجرة  ويلتقط لها صورة فوتغرافية كما هي عادته كل عام!.

ومن عاداته أيضا أن يقضي بجوار تلك الشجرة ساعتين من نهاية ذلك النهار, يستمع فيها إلى صوت فيروز ويكرر سماع أغنية بعينها ( سلم لي عليه), يقول إنها تمنح فيروز "بعدا ملائكيا إضافيا"!.

ساعتان لا يفعل فيهما شيء سوى السماع و الانتظار, انتظار وعد كأنه الوهم, لكن لبعض الأوهام لذة غامضة!  تعرفها الشعوب التي تنتظر مخلصا يأتي من عالم الغيب, و تمنعها من رؤية الحقيقة, حقيقة الوهم المنتظر!.

بعد أن سرح عينيه في المكان الأخضر الممتد في كل اتجاه أخذ نفسا عميقا و أدخل يده في جيب سترته وأخرج من محفظته الجلدية نصف ورقة نقدية من فئة الخمسة ريالات من العملة المحلية , وأخذ يقلبها أمام عينيه وقد ار تسمت على فمه ابتسامة ذات معان وإيحاءات, إنه يفعل ذلك في كل مرة يجلس فيها تحت هذه الشجرة !, و خلال لحظات كان قد غاب عن عملته وكل ما حوله و دخل في حلم لذيذ يستعيده في كل مرة ينظر فيها إلى هذه العملة!, و كأنها منوم مغناطيسي يأخذه إلى بداية الحكاية!.

كان ذلك قبل عشرين عاما, في الضاحية الصغيرة ذات البساتين, التي كان يقطنها قبل أن يقرر الانتقال إلى العاصمة لمتابعة دراسته الجامعية. في ذلك النهار  و أثناء عودته إلى منزله لتناول وجبة الغداء استوقفه في الممر الطويل طفل لا يتجاوز  الثامنة من عمره , ومد إليه بظرف ورقي مغلف , مشيرا بيده إلى شبح فتاة تقف في نهاية الممر  قائلا : إنها تقول لك افتحه الآن , ومضى الطفل بعيدا!.

وبسرعة لا تنقصها الدهشة فتح المغلف وأخرج  ورقة كتب عليها " حاول أن تلقاني غدا الساعة الرابعة عصرا عند شجرة الجوز الكبيرة , أنتظر إشارة موافقة أرجوك "!.

رفع عينيه باتجاه شبح الفتاة وأشار برأسه علامة الموافقة !. في مساء تلك الليلة كانت الأسئلة تحلق فوق رأسه كسرب من البعوض : من تكون تلك الفتاة يا ترى, وماذا تريد, و كيف أغامر بلقائها في هذه الضاحية التي لا تتسامح مع هذا النوع من السلوك؟!, وفي اليوم الثاني كان هناك في المكان المحدد قبل الموعد بنصف ساعة , وعند الرابعة تماما لاح له شبح فتاة قادم بين ظلال الأشجار  الكثيفة , كانت تلف نفسها بستارة من ذلك النوع الذي تلبسه نساء هذه الضاحية و هو من بقايا الزي التركي في اليمن, لم يكن يبدو منها سوى عينان واسعتان تكفيان لأسر كتيبة من المحاربين الأشداء دون إطلاق رصاصة واحدة!, و ما إن وصلت إليه وسلمت حتى مدت إليه بكيس بلاستيكي به بعض المحتويات, وقبل أن ينطق بكلمة واحدة قالت له: أعذرني لا أستطيع الوقوف طويلا معك.. فقط اشتقت إليك و أحببت أن أراك قبل أن أسافر خارج البلاد, وأترك لك هذه الأشياء لعلها تذكرك بي إن أردت!, كل ما تود معرفته عني مكتوب في ظرف داخل هذا الكيس.. إذا لم يقدر لنا أن نلتقي فأعدك أن أزور هذه الشجرة يوما ما في مثل هذا الوقت والتاريخ!, ثم همست بلطف: أرجو أن تكون في انتظاري!.. وداعا!.

كان الذهول قد خيم على المكان, و بصوت شاحب لا ينقصه الارتباك قال: أعدك!. و قبل أن تنصرف أشار إليها: لحظة! , و بسرعة أخرج من جيبه ورقة نقدية جديدة من فئة الخمسة ريالات كانت متداولة آنذاك, وفجأة مزقها إلى نصفين متساويين ومد إليها بنصف العملة قائلا: سيكون هذا الجزء معك والآخر معي.. هذه العملة هي كلمة السر بيننا فاحتفظي بها .. أرجو أن يلتقي النصفان قريبا!. و كان آخر عهده بها دمعتان تسللتا من عينيها إلى قلبه قبل أن تعود الفتاة أدراجها!. وبسرعة فتح الكيس وأخرج مغلَفا كان بجواره منديل أصفر , و شريط كاست مكتوب عليه (فيروز) , تساءل " كيف عرفت أنني أحب سماع فيروز!".

أخرج من الظرف الأبيض ورقة زرقاء مكتوب عليها بخط جميل " أرجو أن لا أكون قد تسببت في إزعاجك, وأعرف أنك في شوق لمعرفة من أكون !.أنا أولا فتاة تحبك وتسكن في العاصمة , و تزور في الصيف عمتها المتزوجة إلى هذه البلدة  الجميلة, و  قد عرفتك في الصيف الماضي بالصدفة واقتربت منك دون أن تلاحظ اقترابي وسألت عنك حتى أصبحت أعرف عنك كل شيء ممكن! و كنت قد قررت في نهاية الصيف الماضي أن ألتقي بك هذا الصيف و أكشف لك عن مشاعري, لكن شيئا ما حدث غير مجرى النوايا والأفكار !.. لقد قررت الأسرة مغادرة البلاد والاغتراب في إحدى الدول المجاورة , ولا أدري هل سنلتقي بعد هذا أم لا, لكني لن أيأس من زيارة هذه البلدة يوما ما في نفس الموعد الذي سألقاك به غدا من أي عام قادم, فإذا استطعت أن تنتظرني ساعتين من كل عام عند شجرة الجوز الكبيرة  فسأكون فخورة بك, و سأعدها مكافأة لحبي الكبير لك .. وداعا أيها الحبيب!.

يالها من فتاة غريبة و ياله من طلب أغرب , لكن مالذي يمنع أن يحقق رغبتها تلك, لقد كان دائما يحلم ببطولة قصة من هذا النوع كلما قرأ رواية  من روايات الواقعية السحرية  أو شاهد فيلما رومانسيا من ذلك النوع الذي تتقنه السينما الهندية ! و هاهي الأقدار تهدي إليه فرصة تحقيق ذلك الحلم!.

أعاد نصف الورقة النقدية إلى جيب محفظته و ذهب يسرح مع فيروز " ... " وفجأة  شعر بيد تربت على كتفه, فتح عينيه سريعا و التفت إلى جهة التربيت فوجد طفلا لا يتجاوز العاشرة من العمر  يمد إليه بمغلف أبيض وهو يشير إلى جهة في طرف البستان قائلا: تقول لك افتح هذا الآن!.

يا إلهي هل تحقق الوعد ! هل تكون هي مرة أخرى , ولكن لماذا تقف بعيدا هكذا , هل جزاء هذا الانتظار الطويل أن تقف بعيدا عنه!.

ألقى نظرة سريعة في الظرف الأبيض و كانت المفاجأة الثانية : النصف الآخر للورقة النقدية , و ورقة زرقاء بجواره , كان الذهول قد عقد لسانه فلا يستطيع الكلام وقيد يديه فلا يستطيع الإشارة . فتح الورقة الزرقاء بسرعة و حرص وأخذ يقرأ " هل أقول حبيبي؟, لا أستطيع! فذلك لم يعد من حقي! .. هل أقول عزيزي؟ لا أستطيع لأنك أكثر من عزيز !. هل أقول أيها النبيل؟ كيف  و أنت أكثر من إنسان نبيل ! .. إن من يصنع هذه الملحمة من الوفاء ليس مجرد إنسان!.

أعلم أن أسئلة كثيرة تدور الآن في رأسك , من أكون وما ذا حدث بعد لقائنا الأول تحت هذه الشجرة , و لماذا تأخر لقاؤنا كل هذا الوقت , ثم لماذا لم أتقدم إليك الآن بنفسي لمقابلتك , استمع إلى قصتي إذن باختصار تاركة لك فهم ما بين السطور !.

في ذلك العام الذي التقيتك فيه و وعدت بزيارة هذه الشجرة يوما ما تزوجت في ظروف صعبة,

 و غادرت البلاد برفقة زوجي إلى دولة مجاورة, و بعد ست سنوات من الغربة عدنا إلى البلد, و هنا اكتشفت أن صديقتي الحميمة قد تزوجت ولما زرتها في بيتها آنذاك علمت أنها زوجتك!, و هكذا أصبح أمامي مانعين من لقائك, الأول وفائي لزوجي و الآخر وفائي لصديقتي!, و لما توفي زوجي العام الماضي, رأيت أن من واجبي الوفاء بوعدي القديم أو حتى بنصفه! مع الاحتفاظ بحق صديقتي (زوجتك). لا شك أنك تتساءل الآن عن مشاعري القديمة أين وصلت ؟ إنها الآن سحابة مسافرة!, هل تعرف أين ينتهي السحاب؟!.

ختاما: لا أستطيع صنع خاتمة تليق بحكايتنا, لأنها لم تختم بعد"!.

انتهى

esamsk@yahoo.com

 

الألبــــــــــــــوم

  عصام

اخترت لك

 نقد أسطورة آل البيت

اركان نظرية الامامة

ينتقل الفكر الامامي من القول بضرورة العصمة في الامام ، مطلق الامام ، الى ضرورة النص عليه من الله كطريق وحيد لمعرفته ، فيبطل قانون الشورى والانتخاب ، ثم يحصر الامامة في الائمة المعصومين من اهل البيت ، بدءا من الامام علي بن ابي طالب والحسن والحسين ثم الأئمة من ذرية الحسين · الذين نصبهم الله تعالى قادة لخلقه الى يوم القيامة¨ ويستدل الفكر الامامي على ·عصمة¨ اهل البيت بالآية الكريمة التي تقول­ انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا الاحزاب وذلك بتفسير معنى الارادة بالارادة التكوينية لا التشريعية المؤكدة ، حيث يستحيل ان تتخلف ارادة الله باذهاب الرجس عنهم ، وقد قال تعالى :انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون . واخراج نساء النبي من صفوف اهل البيت ، وحصرها في الامام علي وفاطمة وابنائهما ‍

 

وقد نقل لنا المؤرخ الامامي سعد بن عبدالله القمي الاشعري صورة دقيقة عن هذا الفكر في كتابه :المقالات والفرق ، يقول­

ان علي بن ابي طالب امام ومفروض الطاعة من الله ورسوله بعد رسول الله ص بوجوب على الناس القبول منه ، والاخذ منه ، لا يجوز لهم غيره ، من اطاعه اطاع الله ومن عصاه عصى الله ، لما اقامه رسول الله علما لهم واوجب امامته وموالاته وجعله اولى بهم منهم بانفسهم ، والذي وضع عنده من العلم ما يحتاج اليه الناس من الدين والحلال والحرام وجميع منافع دينهم ودنياهم ومضارها وجميع العلوم كلها جليلها ودقيقها ، واستودعه ذلك كله ، واستحفظه اياه . وانه استحق الامامة ومقام النبي لعصمته وطهارة مولده وسبقه وعلمه وشجاعته وجهاده وسخائه وزهده وعدالته في رعيته . وان النبي ص نص عليه واشار اليه باسمه ونسبه وعينه قلد الامة امامته وأقامه ونصبه لهم علما وعقد له عليهم امرة المؤمنين وجعله وصيه وخليفته ووزيره في مواطن كثيرة ، واعلمهم ان منزلته منه منزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده واذ جعله نظير نفسه في حياته وانه اولى بهم بعده كما كان هو ص اولى بهم منهم بانفسهم اذ جعله في المباهلة كنفسه بقول الله وانفسنا وانفسكم ولقول رسول الله : لبني وليعة :لتنتهن يابني ليعة او لابعثن اليكم رجلا كنفسي فمقام النبي لا يصلح من بعده الا لمن هو كنفسه ، والامامة من اجل الامور بعد الرسالة ، اذ هي فرض من اجل فرائض الله ، فاذا لا يقوم الفرائض ولا يقبل الا بامام عدل . وانه لا بد مع ذلك من ان تكون تلك الامامة دائمة جارية في عقبه الى يوم القيامة تكون في ولده من ولد فاطمة بنت رسول الله ثم في ولد ولده منها يقوم مقامه ابدا رجل منهم معصوم من الذنوب طاهر من العيوب تقي نقي مبرأ من الافات والعاهات في الدين والنسب والمولد يؤمن منه العمد والخطأ والزلل منصوص عليه من الامام الذي قبله مشار اليه بعينه واسمه..وان الامامة جارية في عقبه على هذا السبيل ما اتصل امر الله ونهيه ولزم العباد لتكليف.

وقد حاول الاماميون الذين نشأوا في بدايات القرن الثاني الهجري ، ان يسحبوا نظريتهم الى الوراء ، ويقرأوا التاريخ الشيعي قراءة جديدة على ضوء نظريتهم القائمة على النص والغاء الفكر الشيعي السياسي السابق القائم على الشورى ، بالطبع فقد نسبوا فكرهم الى اهل البيت وادعوا استقاءه منهم ، ولذا فقد قال الشيخ المفيد : اتفقت الشيعة العلوية على ان الامامة كانت

عند وفاة النبي لأميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ، وانها كانت للحسن بن علي من بعده وللحسين بن علي بعد اخيه ، وانها بعد الحسين في ولد فاطمة عليهم السلام لا يخرج منهم الى غيرهم ولا يستحقها سواهم ، ولا تصلح الا لهم فهم اهلها دون من عداهم حتى يرث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين ...وانها لا تصلح الا لولد الحسين ولا يستحقها غيرهم ، لا تخرج عنهم الى غيرهم ممن عداهم حتى تقوم الساعة

 

النص بدلا من الوصية

 وخلافا للفكر الكيساني الذي اعتمد على وصية النبي للامام علي ، فقد اعتمد الفكر الامامي بصورة رئيسية على موضوع الغدير ورأى فيه دلالة قوية على ارادة المعنى السياسي ، والنص بالخلافة . يقول الشيخ المفيد في كتاب الافصاح في امامة علي بن ابي طالب ­ ان الرسول اعطى للامام علي في غدير خم حقيقة الولاية وكشف به عن مماثلته له في فرض الطاعة ، والامر لهم والنهي والتدبير والسياسة والرياسة ..فحكم له بالفضل على الجماعة والنصرة والوزارة والخلافة في حياته وبعد وفاته والامامة له .

 

واضافة الى ذلك فقد استشهدوا ايضا بنصوص اخرى حول فضل الامام الامام علي بن ابي طالب ، واخرى صريحة بالخلافة والامامة ولكن من طرق الشيعة . ولكنها كانت موضع تشكيك واتهام بالجعل والاختلاق ، او التأويل القسري المخالف للظاهر وارادة المعنى السياسي وقد اعترف السيد المرتضى في كتابه ­لشافي في الامامة­ بان اهم حديث نبوي حول النص بالامامة وهو ديث غدير خم ، هو نص خفي وليس بنص جلي ، اذا حذفنا منه الزيادات المضافة

 

و بالرغم من نفي المتكلمين الامامية لامامة بعض من ادعوا الامامة كمحمد بن الحنفية وعبدالله الافطح بعدم وجود نصوص صريحة عليهم بذلك ، وقول الشيخ المفيد بعدم جواز اثبات الامامة لمن لا نص عليه ولا دليل على امامته ، وذلك لأن العصمة لا تعرف الا بالنص كما يقول الشيخ المفيد والطوسي ، بالرغم من ذلك .. فان مؤرخي الامامية لم يستطيعوا اثبات اي نص حول امامة الائمة الاخرين، وخاصة الامام علي بن الحسين ، الذي يشكل حلقة الوصل بين الامام الحسين ، وبين بقية الائمة الى يوم القيامة . ولذلك فقد ذهب منظروا فلسفة الامامة الالهية الى الاعتماد على وسائل اخرى غير النص في اثبات الامامة للأئمة الآخرين ، وهي الوصية والعقل والمعاجز وما الى ذلك.

 

 

العقل بدلا من النص

 ومن هنا ، ونظرا لضعف النصوص التي يرويها الامامية حول النص بالخلافة على اهل البيت ، فقد اعتمد المتكلمون الاوائل ، بالدرجة الاولى ، على العقل في تشييد نظريتهم . يقول الشيخ المفيد: فان قال قائل من اهل الخلاف ان النصوص التي يروونها الامامية موضوعة ، والاخبار بها آحاد ، والا فليذكروا طرقها او يدلوا على صحتها بما يزيل الشك فيها والارتياب .. قيل له ليس يضير الامامية في مذهبها الذي وصفناه عدم التواتر من اخبار النصوص على ائمتهم ، ولا يمنع من الحجة لهم بها كونها اخبار آحاد ، لما اقترن اليها من الدلائل العقلية فيما سميناه وشرحناه من وجوب الامامة وصفات الائمة ، لأنها الادلة العقلية لو كانت باطلة على ما يتوهم الخصوم لبطل بذلك دلائل العقول الموجبة لورود النصوص على الائمة بما بيناه

 

ويقول السيد المرتضى في : الشافي ­لنا في الاستدلال على امامة بقية الائمة طريقان ­ الرجوع الى النقل الظاهر بين الشيعة الوارد مورد الحجة بنص النبي مجملا مفصلا ، وما ورد عن اميرالمؤمنين ونص كل واحد على من بعده . واما الطريقة الثانية فهو ان يعتمد في امامة كل واحد منهم على طريقة الاعتبار والبناء على الاصول المتقررة في العقول من غير رجوع الى النقل

وكذلك يقول ابو الفتح محمد بن علي الجراجكي في كتابه ­الاستنصار في النص على الائمة الاطهار ­ اعلم ايدك الله ان الله جل اسمه قد يسر لعلماء الشيعة من وجوه الادلة العقلية والسمعية على صحة امامة اهل البيت ما يثبت الحجة على مخالفيهم ..فالعقليات دالة على الاصل من وجوب الحاجة الى الامام في كل عصر وكونه على صفات معلومة كالعصمة مثلا ليتميز بها عن جميع الامة ليست موجودة في غير من اشار اليه ، والسمعيات منها القرآن الدال في الجملة على امامتهم وفضلهم على الانام ‍‌

 

المعجزة بدلا من العقل

 واذا كانت نظرية الامامة تقدم بعض النصوص حول الامام علي بن ابي طالب فانها تعترف بعدم وجود النصوص على عدد من الأئمة الآخرين ، ولذا فانها تستعين بالوصايا العادية ، فتتخذ منها دليلا بديلا عن النص ، ولكنها تفتقر بعض الاحيان حتى الى الوصية العادية ، فتقول بنظرية المعاجز وقيامها مقام النصوص

وكان هشام بن الحكم قد بنى قوله بامامة الصادق على دعوى علم الامام بالغيب ،و قال للرجل الشامي الذي جادله حول الامامة بمنى ­ ان المعجز هو طريق التعرف على الامام والتأكد من صدق دعواه ولم يطرح موضوع النص اساسا . ولو كان امر النص معتمدا عند المتكلمين الامامية الاوائل لطرح هشام دليل النص على امامة الامام الصادق ، او اشار اليه ، ولكنه لم يتحدث الا عن دليل المعجز وعلم الامام بالغيب .

 

وقد مر في طيات النصوص السابقة التي اقتطفناها من بعض العلماء الاشارة الى دليل المعجز ، فقد قال الشيخ المفيد في­الثقلان بعد بحث موضوع اشتراط العصمة في الامام ­· اذا ثبتت هذه الاصول وجب ابانة الامام من رعيته بالنص عليه والعلم المعجز الخارق للعادات ، اذ لا طريق الى المعرفة بما تجتمع له هذه الصفات الا بنص الصادق عن الله تعالى او المعجز وقال السيد المرتضى في :الشافي بعد بحث موضوع العصمة ­ اذا ثبت ذلك وجبت ابانته بالنص او بالمعجز، وقال الشيخ الطوسي في : تلخيص الشافي­ ايجاب النص على الإمام او ما يقوم مقامه من المعجز الدال على امامته ... ولا بد مع صحة هذه الجملة من وجوب النص على الامام بعينه او اظهار المعجز القائم مقامه عليه وقال العلامة الحلي في­نهج الحق­ ان طريق تعيين الامام امران : النص من الله تعالى او نبيه او امام ثبتت امامته بالنص ، او ظهور المعجزات على يده

وفي الحقيقة ان النظرية الامامية تحتاج الى موضوع المعاجز ، بصورة رئيسية ، في عملية اثبات امامة علي بن الحسين السجاد ، الذي يفتقر الى النص والوصية من ابيه ، حيث قتل الامام الحسين في كربلاء ولم ينص عليه ، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة ، كما يقول الامام الباقر والصادق ، وادعى محمد بن الحنفية الوصية من ابيه الامام علي فقاد الشيعة على ضوء ذلك في ظل انسحاب الامام السجاد من الساحة السياسية وتحتاج النظرية الامامية الى اثبات امامة السجاد لكي تثبت الامامة في ذرية الحسين ، والا فان السلسلة تنقطع ، وتصبح حجة الكيسانية والحسنية الذين تصدوا لقيادة الشيعة عمليا، اقوى من حجة الامامية

 

وهنا ينقل الاماميون حكاية عن تخاصم الامام السجاد مع عمه محمد بن الحنفية الذي انكر وجود اي نص او وصية عليه وطالبه باتباعه ، فطلب السجاد منه ان يحتكما الى الحجر الاسود ، الذي تكلم بصورة اعجازية وبلسان عربي فصيح فأثبت الامامة للسجاد وطالب ابن الحنفية بالخضوع له كما يذكر الاماميون ، وبالخصووص ابو بصير ، قصصا اعجازية كثيرة عن الامام محمد الباقر والامام جعفر الصادق والامام الكاظم وبقية الائمة ، لكي يغطوا على العجز في اثبات النصوص ، او تعضيد الوصايا العادية التي لا تشير الى مسألة الامامة والخلافة وتكاد تكون المعاجز هي الدليل الأول والاقوى الذي يقدمه الاماميون في اثبات امامة عدد كبير من الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى

 

انحصار الامامة في ذرية الحسين

وبعد اثبات الامامة للحسن والحسين يحاول الامامية الاجابة عن سبب حصر الامامة في ذرية الحسين فقط ، فكلاهما من العترة ومن اهل البيت ومن اولاد فاطمة وعلي ، وقد تصدى اولاد الحسن للامامة وادعوها لانفسهم ، وذهب بعضهم الى كون المهدي المنتظر فيهم ؟.. و كان بعضهم يفضل أولاد الحسن على اولاد الحسين ، خاصة وان الاحاديث التي يستدل بها الاماميون على حصر الامامة في اهل البيت ، كحديث الثقلين ، تشمل البيتين ، وقد بنى الجارودية نظريتهم في جواز الامامة في ابناء الحسن والحسين على ذلك الحديث ‍‍

 

تعبر رواية ينقلها الخزاز القمي في ­كفاية الاثر عن جابر بن يزيد الجعفي عن رفض قسم من الشيعة الاوائل لحصر الامامة في ابناء الحسين ،وان جابر قال للامام الباقر : ـ ان قوما يقولون : ان الله تبارك وتعالى جعل الامامة في عقب الحسن والحسين ، فقال: ·كذبوا والله ، أولم يسمعوا الله تعالى يقول: وجعلها كلمة باقية في عقبه فهل جعلها الا في عقب الحسين

 

وقد ادعى هشام بن سالم الجواليقي انه سأل الامام الصادق­ كيف صارت الامامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن ؟.. فقال: · ان الله تبارك وتعالى أحب ان يجعل سنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين ، ألا ترى انهما شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين شريكين في الامامة

 

و نقل حمران بن اعين عن الامام الباقر ، رواية يقول فيها ­ ان الحسن أغمد اربعين الف سيف حين اصيب اميرالمؤمنين ، وأسلمها الى معاوية ان الحسين خرج فعرض نفسه على الله في سبعين رجلا ..من أحق بدمه منا ؟

 

وتوجد رواية أخرى عن أبى عمرو الزبيري يقول فيها انه سأل الإمام الصادق عن سر خروج الإمامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين ، كيف ذلك ؟..وما الحجة فيه؟.. فقال له­ لما حضر الحسين ما حضره من امر الله لم يجز ان يردها الى ولد اخيه ، ولا يوصي بها فيهم ، يقول الله ­ اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله. فكان ولده اقرب رحما من ولد اخيه ، وكانوا اولى بالامامة ، واخرجت هذه الاية ولد الحسن منها فصارت الامامة الى الحسين ، وحكمت بها الاية لهم ، فهي فيهم الى يوم القيامة

ولكن يبدو ان هذه التبريرات لم تكن مقنعة ولا قوية ، ولذلك فقد ظل الشيعة يتساءلون عن سر حصر الامامة في ذرية الحسين مع قيام ابناء الحسين بقيادة الشيعة عمليا وتفجيرهم للثورات المختلفة هنا وهناك يقول الصدوق ­ ان محمد بن ابي يعقوب البلخي سأل الامام الرضا : لأي علة صارت الامامة في ولد الحسين دون ولد الحسن ؟..فقال له: لأن الله عز وجل جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن ، والله لا يُسأل عما يفعل

ومن الواضح ان هذا الجواب كان قبل تبلور النظرية الامامية في القرون التالية ، واستنادها الى احاديث مسبقة عن الرسول الاكرم تذكر اسماء الأئمة واحدا بعد واحد

وبالرغم من ان الشيخ الصدوق يروي هذه الرواية ، الا انه كما يبدو لم يكن يثق بصدور هذه الرواية عن الامام الرضا ، ولذلك كانت له وجهة نظر اخرى

 

يقول في ­اكمال الدين­اعلم ان النبي لما أمر بالتمسك بالعترة ، كان العقل والتعارف والسيرة مايدل على انه اراد علماءهم دون جهالهم والبررة الاتقياء دون غيرهم ، فالذي يجب علينا ويلزمنا : ان ننظر الى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالامر فنقتدي به ونتمسك بالكتاب وبه . فان اجتمع ذلك في رجلين وكان احدهما ممن يذهب الى مذهب الزيدية والآخر الى مذهب الامامية فرق بينهما بدلالة واضحة : اما بنص من امام تقدمه ، واما بشيء يظهر في علمه ، واما ان يظهر من احدهما مذهب يدل على ان الاقتداء به لا يجوز كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والاحكام ، فيعلم بهذا انهم غير ائمة

 

 

الوراثة العمودية

و قال الامامية بامتداد الامامة في اولاد الحسين وذلك في الاكبر فالاكبر ، وعدم جواز انتقالها الى اخ او ابن اخ ، او عم او ابن عم ، واستندوا في ذلك على آية واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله وهي نفس الآية التي استندوا عليها في نفي امامة ابناء الحسن

 

وقد قال الشيخ المفيد ­ ان الامامة بعد الحسين في ولده لصلبه خاصة دون ولد اخيه الحسن وغيره من اخوته وبني عمه وسائر الناس ، وانها لا تصلح الا لولد الحسين ، ولا يستحقها غيرهم ، ولا تخرج عنهم الى غيرهم ممن عداهم حتى تقوم الساعة

و روى الكليني والصدوق والمفيد والطوسي احاديث عن الامام الصادق تشير الى قانون الوراثة العمودية وامتداد الامامة الى يوم القيامة ، قال­· لا تجتمع الامامة في اخوين بعد الحسن والحسين انما هي في الاعقاب واعقاب الاعقاب ، هكذا ابدا الى يوم القيامة

 

استمرار الامامة الى يوم القيامة

وبعد سقوط نظرية الشورى عند فلاسفة نظرية الامامة الالهية كطريق لانتخاب الامام ، كان لا بد ان تمتد هذه النظرية من يوم وفاة الرسول الاعظم الى يوم القيامة ، ولا تتحدد في فترة معينة .

ومن هنا قال هشام بن الحكم في حواره مع ضرار : ولا بد من ان يكون في كل زمان قائم بهذه الصفة العصمة الى ان تقوم الساعة‌

 

وروى ابو بصير عن ابي جعفر الباقر انه قال في تفسير قوله تعالى ­ ·ياايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم انهم الائمة من ولد علي وفاطمة الى ان تقوم الساعة

وروى اسحاق بن غالب عن ابي عبدالله الصادق ، في خطبة له يذكر فيها حال الائمة وصفاتهم : لم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقهم من ولد الحسين من عقب كل امام يصطفيهم لذلك ويجتبيهم ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم ..كلما مضى منهم اماما نصب لخلقه من عقبه اماما

 

وقال الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه اكمال الدين ­ كان مرادنا بايراد قول النبي انهما الكتاب والعترة لن يفترقا حتى يردا علي الحوض اثبات اتصال امر حجج الله الى يوم القيامة ، لقوله: لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وهكذا قوله ­· ان مثلهم كمثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم الى يوم القيامة ¨ تصديق لقولنا ان الارض لا تخلو من حجة لله على خلقه¨

وروى ايضا عن الرضا انه قال : اول المتوسمين رسول الله ثم امير المؤمنين من بعده ثم الحسن ثم الحسين والائمة من ولد الحسين الى يوم القيامة

و روى عنه ايضا­ ان الائمة من ولد علي وفاطمة الى ان تقوم الساعةو ان الامامة كانت لرسول الله خاصة فقلدها عليا بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله ، فصارت في ذريته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان فهي في ولد علي خاصة الى يوم القيامة¨ . وبناء على ذلك فلم تكن هناك قائمة مسبقة بأسماء الأئمة القادمين ، وانما كانت هذه القضية متروكة للزمن وهناك احاديث عديدة تقول ­ ان الأئمة لم يكونوا يعرفون بخلفهم من قبل ، وانهم كانوا يعلمون بذلك في اللحظات الاخيرة من حياتهم حيث يروي الصفار عن الامام الصادق انه قال­ان الامام السابق لا يموت حتى يعلمه الله الى من يوصي و ان الامام التالي يعرف امامته في آخر دقيقة من حياة الاول

ونظرا لعدم وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة معدة من قبل ، فقد كانت قضية معرفة هوية الامام الجديد تعتبر قضية هامة عند الامامية يقول الصفار­ ان الحرث بن المغيرة سأل الامام الصادق­ بمَ يعرف صاحب هذا الامر ؟..قال: بالسكينة والوقار والعلم والوصية¨ ويقول الكليني­ ان احمد بن محمد بن ابي نصر سأل الامام الرضا : اذا مات الامام بمَ يعرف الذي بعده ؟..فقال­ للإمام علامات منها: ان يكون اكبر ولد ابيه ، ويكون فيه الفضل والوصية ويقدم الركب فيقول: الى من اوصى فلان؟..فيقال : الى فلان ، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني اسرائيل تكون الامامة مع السلاح حيثما كان وفي رواية اخرى­ فأما المسائل فليس فيها حجة

ومن هنا فقد كان الشيعة الامامية يسألون الائمة السابقين عن هوية الائمة اللاحقين ويلحون في السؤال ، وكثيرا ما كان الأئمة يرفضون اخبارهم بذلك

 

ماذا يفعل الشيعة عند الجهل بالامام ؟

 وهناك احاديث تصرح بامكانية جهل الشيعة بالامام وترسم لهم الموقف في ذلك الظرف ، فقد روى الكليني ­ ان رجلا سأل ابا عبدالله فقال له­ اذا اصبحت وأمسيت لا ارى اماما أئتم به ما اصنع ؟..قال: · فاحب من تحب وابغض من تبغض حتى يظهره الله عزوجل

كما روى الصدوق ايضا عن الامام الصادق قوله­ كيف انتم اذا بقيتم دهرا من عمركم لا تعرفون امامكم؟..قيل: فاذا كان ذلك فكيف نصنع ؟.. قال: تمسكوا بالاول حتى يستبين لكم¨

و روى الكليني والصدوق والمفيد حديثا عن عيسى بن عبدالله العلوي العمري عن ابي عبدالله جعفر بن محمد قال قلت له: جعلت فداك : ان كان كون ولا اراني الله يومك فبمن أأتم ؟ قال: قال فأومأ الى موسى ، فقلت : فان مضى موسى فبمن أأتم ؟..قال : ـ بولده ، قلت فان مضى ولده وترك اخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن أأتم ؟..قال: ـ بولده ، ثم هكذا ابدا ، قلت: فان انا لم اعرفه ولم اعرف موضعه فما اصنع ؟..قال: تقول: اللهم اني اتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي ، فان ذلك يجزئك

 

وهناك روايات أخرى عن زرارة بن اعين ويعقوب بن شعيب وعبدالأعلى ، انهم سألوا الإمام الصادق ­إذا حدث للإمام حدث كيف يصنع الناس ؟.. قال : يكونوا كما قال الله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين الى قوله يحذرون قلت : فما حالهم ؟.. قال : هم في عذر قلت : جعلت فداك فما حال المنتظرين حتى يرجع المتفقهون ؟..قال : رحمك الله ، اما علمت انه كان بين محمد وعيسى خمسون ومائتا سنة فمات قوم على دين عيسى انتظارا لدين محمد فآتاهم الله اجرهم مرتين ؟ قلت : نفرنا ،فمات بعضنا في الطريق ؟..قال : ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله قلت : فقدمنا المدينة فوجدنا صاحب هذا الامر مغلقا عليه بابه مرخى عليه ستره ؟.. قال : ان هذا الامر لا يكون الا بأمر بين ، هوالذي اذا دخلت المدينة قلت : الى من اوصى فلان ؟..قالوا : الى فلان

سرية نظرية الامامة

رأينا في الفصل الماضي­ ان نظرية الامامة الالهية القائمة على العصمة والنص لم تكن شائعة ومعروفة في اوساط الشيعة واهل البيت انفسهم في القرن الاول الهجري ، ولم تكن لها رائحة في المدينة ، وانما بدأت تدب تحت الارض في الكوفة في بداية القرن الثاني ، وكان المتكلمون الذين ابتدعوها يلفونها بستار من التقية والكتمان .. ويعترف المتكلم ابو جعفر الاحول الملقب بمؤمن الطاق الذي يعتبر من اعمدة النظرية الاوائل انها كانت سرية ولم يكن يعلم بها حتى زيد بن علي ، وقد فوجيء بها واستغرب ان يكون الامام السجاد قد اخبر مؤمن الطاق ولم يخبره بها

وبالرغم من دعوى مؤمن الطاق في نسبة النظرية الى اهل البيت ، فان حديثه يكشف عن موضوع السرية البالغة التي كانت تحيط بنظرية :الامامة الالهية لدى نشوئها في الكوفة ، الى درجة عدم معرفة زيد بن علي بن الحسين بها وهو في المدينة وفي احضان ابيه ، وعلى الرغم مما كان يتمتع به من تقوى وعلم وزهد وروح جهادية ، الى درجة استغرابه لدى سماع حديث مؤمن الطاق .

 

 

وقد قرأنا في الفصل الماضي نفي الامام الصادق الصريح للقول بالامامة المفروضة من الله ، والذي ينقله الكليني في الكافي ومن هنا كان الاماميون يلفون اقوالهم التي ينسبونها الى الائمة بلفافات من السرية والتقية والكتمان ، ويدعون ان الائمة لم يكونوا يذيعون هذه الآراء على عامة الناس ، وانما قالوا بها سرا، واوصوا بابقائها طي الكتمان .. وكانوا يعتبرون هذه الاحاديث صعبة مستصعبة لا يحتملها الا المؤمنون الممتحنون ، وان جزاء من يذيعها بين الناس القتل بحر الحديد.

 

يقول الكليني في رواية مطولة ينسبها الى الامام الصادق انه قال للشيعة: لا يحل لكم ان تظهروهم على اصول دين الله¨

 

ويروي محمد بن الحسن الصفار في كتابه : بصائر الدرجات مجموعة من الروايات التي كان يتداولها الامامية والغلاة عن ضرورة السرية والكتمان ومخاطر البوح والاعلان ، فيعقد عدة ابواب بشأن ذلك وينقل عن الامام الباقر ، قوله لاصحابه: لو كان لألسنتكم اوكية لحدثت كل امريء بما له

وينقل الصفار عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي عبدالله انه قال: ان امرنا سر في سر ، وسر مستسر ، وسر لا يفيد الا سر ، وسر على سر ، وسر مقنع بسر

 

وينقل عن الامام الصادق قوله: ان ابي نعم الاب ، كان يقول : لو اجد ثلاثة رهط استودعهم العلم ، وهم اهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه الى نظر في حلال ولا حرام ، وما يكون منه الى يوم القيامة ..ان حديثنا صعب مستصعب لا يؤمن به الا عبد امتحن الله قلبه للإيمان وقوله: لولا ان يقع عند غيركم كما قد وقع غيره لاعطيتكم كتابا لا تحتاجون الى احد حتى يقوم القائم .وقوله: · ما اجد من احدثه ..ولو اني احدث رجلا منكم بالحديث فما يخرج من المدينة حتى اوتى بعينيه فاقول : لم اقله

 

وينقل الصفار رواية عن ابي بصير يقول فيها انه دخل على الامام ابي عبدالله ليسأله عن العلم فقال مبتدءا جعلت فداك اني اسألك عن مسألة ، ليس ههنا احد يسمع كلامي؟ ، ويقول ان اباعبدالله رفع سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال : سل عما بدالك. مما يوحي بشدة سرية الحديث

وكانت النظرية الامامية في البداية تقوم على موضوع علم الأئمة بالغيب ، كطريق لاثبات ارتباط الامام بالله وقد رأينا ذلك في في مناظرة هشام بن الحكم مع الرجل الشامي ، حيث ادعى هشام ان الامام الصادق اخبره بكل ما حصل في طريقه من الشام الى منى ولكن الامام الصادق كان دائما ينفي علمه بالغيب ويقول بصراحة­ ياعجبا لأقوام يزعمون انا نعلم الغيب ، وما يعلم الغيب الا الله ، لقد هممت بضرب خادمتي فلانة فذهبت عني فما عرفتها في اي بيوت الدار هي . وهذه الرواية ينقلها سدير وابو بصير وميسر ويحيى البزاز وداود الرقي الذين يقولون ان الامام الصادق خرج اليهم وهو مغضب ثم نفى علمه بالغيب ، ولكن سدير يضيف الى هذه الرواية ­ انه ذهب الى الامام مع ابي بصير وميسر ، بعدما قام من مجلسه وصار في منزله ، فقالوا له بصورة سرية:جعلنا فداك سمعناك تقول كذا وكذا في امر خادمتك ، ونحن نعلم انك تعلم علما كثيرا ، فقال لهم­ ان لديه علم الكتاب كله، وان الذي جاء بعرش بلقيس الى سليمان كان عنده علم من الكتاب، وان نسبة علم هذا الى علم الامام كقدر قطرة من المطر في البحر الاخضر

ويمكننا ملاحظة السرية والكتمان او التقية في رواية اخرى ينقلها سيف التمار قال: كنا مع ابي عبدالله ، جماعة من الشيعة في الحجر ، فقال : علينا عين ؟.. فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نرَ أحدا فقلنا : ليس علينا عين ، فقال : ورب الكعبة ورب البيت ثلاث مرات لوكنت بين موسى والخضر لأخبرتهما اني اعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما ، لأن موسى والخضر اعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما هو كائن إلى يوم القيامة ، وان رسول الله اعطي علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فورثناه من رسول الله وراثة

ورغم التهافت الواضح في هذه الرواية التي تنسب علم الغيب الى الامام الصادق وتقول في نفس الوقت انه سأل عن وجود الجواسيس فالتفتوا يمينا وشمالا وقالوا له­ ليس علينا عين بالرغم من ذلك فانها تحمل في طياتها معنى السرية المناقضة لما كان يعلنه الامام

وقد اطلق الاماميون على هذه الحالة اسم التقية وذلك لكي يفسروا ظاهرة التناقض بين اقوال الأئمة من اهل البيت وسيرتهم العلنية القائمة على الشورى والعلم الطبيعي ، وبين دعوى الامامة الالهية القائمة على النص والتعيين والعلم الالهي الغيبي ، والتي كان ينسبها الاماميون الى اهل البيت سرا ولما كان اهل البيت يتشددون في نفي تلك الاقوال المنسوبة اليهم كان الاماميون والباطنيون بصورة عامة يأولون كلامهم ، ويتمسكون بادعاءاتهم المخالفة لهم تحت دعوى شدة التقية

 

ومن المعروف ان الامام الصادق قد لعن احد الغلاة المتطرفين جدا الذين ادعوا الالوهية للامام الصادق ، وتبرأ منه ، وهو ابو الخطاب زعيم الفرقة الخطابية فلما نقل له الشيعة موقف الامام منه تأول كلامه وقال انه يريد رجلا آخر في البصرة يسمى قتادة البصري ويكنى بأبي الخطاب ، ولما وضح الامام الصادق مقصوده وقال : والله ما عنيت الا محمد بن مقلاص بن ابي زينب الاجدع البراد عبد بني اسد ، قال ابوالخطاب : ان اباعبدالله يريد بلعنه ايانا في الظاهر اضدادنا في الباطن ، وتأول قول الله تعالى :واما السفينة فكانت

لمساكين يعملون في البحر فأردت ان اعيبها وكان من ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا بأن السفينة­ ابا الخطاب وان المساكين ­اصحابه ، وان الملك الذي وراءهم ­ عيسى بن موسى العباسي

 

ومن هنا كان الالتزام بمبدء التقية ضروريا جدا لتمرير نظرية الإمامة والصاقها بأهل البيت

 

 

تحديات تواجه النظرية الامامية

 

نقد فلسفة العصمة

لم تكد نظرية الامامة الالهية تولد حتى واجهت سلسلة من التحديات التي وضعتها على محك الاختبار ، واثبتت استحالتها ، فمن جهة كانت نظرية العصمة التي قامت عليها ، نظرية حادثة مرفوضة من قبل اهل البيت وعموم الشيعة

حيث كانت فلسفة العصمة تقوم على مبدأ الاطلاق في الطاعة لولي الامر وعدم جواز او امكانية النسبية فيها ، وذلك مثل الرد على الامام و رفض اطاعته في المعاصي والمنكرات لو أمر بها ، والاخذ على يده عند ظهور فسقه وانحرافه . وهو المبدأ الذي كان الحكام الامويون المنحرفون يدأبون على ترويجه ومطالبة المسلمين بطاعتهم على اساسه طاعة مطلقة في الخير والشر ، وهو ما اوقع فلاسفة

الامامية في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر بطاعة اولى الامر في الاية الكريمة :ياايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في المعاصي والمحرمات

 

لكن هذا الامر لم يثبت من اطلاق الاية الشريفة ، التي قد تفهم ايضا على اساس النسبية ، بل ان هذا ما يوحي به العرف والعقل والايات الاخرى في القرآن الكريم ، التي تؤكد على مبدأ :لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

 

ومع ان اية (اولي الأمر) كانت تنطبق على اولي الامر والولاة والقادة الذين كان يعينهم الرسول الاكرم في حياته ، فان المسلمين الاوائل لم يكونوا يفهمون منها : معنى الاطلاق ، والطاعة لأولي الامر حتى في المعاصي والمنكرات ، وقد رفضت جماعة من المسلمين كان الرسول الاكرم قد ارسلها في سرية وامر عليها رجلا ، طاعة ذلك الرجل عندما امر الجماعة في وسط الطريق بدخول نار

اشعلها ، وطالبهم بالامتثال لأوامره ، وقالوا له: لقد فررنا من النار فكيف ندخل فيها ، وفهموا الطاعة في حدود العرف والعقل والشرع ، وليس خارج ذلك ، وعادوا فأخبروا الرسول بما فعل القائد ، فأقرهم على موقفهم العقلائي ،وحذرهم قائلا: لو دخلتم فيها للبثتم فيها .

وهذا ما يؤيد امكانية الفهم النسبي لآيات القرآن الكريم في حدود العقل والعرف والسيرة والشرع ، وعدم جواز فهمها فهما مطلقا دائما حتى في حالات التعارض مع احكام اخرى عقلية او شرعية .

واذا انتفى الاطلاق وثبتت النسبية في الطاعة لاولي الامر لا تبقى حاجة الى اشتراط العصمة في الامام ، ويمكن للمسلمين انتخاب قائد لهم على اساس العدالة الظاهرية والتقوى والكفاءة ليطبق لهم الدين ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر و اذا انحرف هذا القائد الامام فان لهم الحق في عصيانه ومخالفة اوامره واسقاطه عن منصب الامامة ، ولا طاعة له من الله في اعناقهم .

 

ولكن المتكلمين الامامية رفضوا النسبية رفضا مطلقا وأصروا على مفهوم الاطلاق من الاية ، ولذلك بنوا نظريتهم في العصمة على هذا الاساس ، ثم اقاموا سائر المقولات على قاعدة العصمة

 

موقف اهل البيت من العصمة

 وكانت المشكلة الكبرى التي واجهت الفلاسفة الامامية في عملية بناء نظرية الامامة الالهية وتركيبها على أئمة اهل البيت ، تكمن في موقف اهل البيت انفسهم من نظرية­ العصمة حيث كانوا يرفضونها اشد الرفض ، ويصرحون امام الجماهير بأنهم اناس عاديون قد يخطؤن وقد يصيبون وانهم ليسوا معصومين من الذنوب ، ويطالبون الناس بنقدهم وارشادهم واتخاذ موقف المعارضة منهم لو صدر منهم اي خطأ او امروا بمنكر لا سمح الله . وهذا هو الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب يقف في مسجد الكوفة ويخاطب الجموع قائلا­·

ـ ان من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه ان يصغر عنده لعظم ذلك كل ماسواه ، وان احق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ولطف احسانه اليه فانه لم تعظم نعمة الله على احد الا زاد حق الله عليه عظما . وان من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس ان يظن بهم حب الفخر ويوضع امرهم على الكبر ، وقد كرهت ان يكون جال في ظنكم اني احب الاطراء واستماع الثناء ، ولست بحمد الله كذلك ، ولو كنت احب ان يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو احق به من العظمة والكبرياء . وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء ، لاخراجي نفسي الى الله واليكم من البقية في حقوق لم افرغ من ادائها وفرائض لا بد من امضائها . فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل البادرة ولا

تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانه من استثقل الحق ان يقال له او العدل ان يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه .. فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل ،فاني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من انفسنا ، واخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى

وفي خطبة اخرى يتحدث فيها الامام اميرالمؤمنين عن الخارجي الخريت ابن ناجية ومحاولاته السابقة لدفع الامام لقتل واعتقال عدد من زعماء المعارضة ، وقول الامام له ولعموم الناس ان من واجبهم الوقوف امامه ومنعه اذا أراد هو ان يفعل ذلك ، والقول له : ·اتق الله

ولم يكن الامام علي ليقول لهم ذلك لو كان هناك اي حديث عن العصمة في اوساط الائمة والشيعة والمسلمين ، وذلك لان هالة العصمة تحتم ان يضع الامام نفسه فوق النقد وأن يحرم المعارضة او التجرؤ بتوجيه النصح والمشورة ، وهذا ما لم يكن يفعله الامام علي الذي ضرب اروع الامثلة في التواضع والمساواة .. ومطالبة اصحابه بأداء دورهم السياسي في مراقبة الامام وتقويمه .

 

ويقول في دعاء له : · اللهم اغفر لي ما انت اعلم به مني ، فان عدت فعد علي¹ بالمغفرة . اللهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ، ولم تجد له وفاء عندي . اللهم اغفر لي ما تقربت به اليك بلساني ، ثم خالفه قلبي . اللهم اغفر لي رمزات الالحاظ وسقطات الالفاظ وشهوات الجنان وهفوات اللسان

 

ويستعرض الامام اميرالمؤمنين في مكان آخر صفات الحاكم وشروطه فلايذكر من بينها العصمة ، يقول: · ...انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم وامامة المسلمين : البخيل ، فتكون في اموالهم نهمته ، ولا الجاهل ، فيضلهم بجهله ، ولا الجافي ، فيقطعهم بجفائه ، ولا الحائف للدول ، فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ، ولا المعطل للسنة ، فيهلك الامة

 

ويقول في خطبة اخرى: · ايها الناس :ان أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه

 

وينقل الصدوق في أماليه قصة عن فاطمة الزهراء تنافي نظرية العصمة التي كان يقول بها المتكلمون ، ويروي : ان الامام علي بن ابي طالب انفق ذات مرة اموال مزرعة باعها حتى لم يبق لديه درهم واحد ،فاحتجت فاطمة الزهراء على ذلك و امسكت بثوبه ، فنزل جبرئيل واخبر النبي فذهب اليها وقال : ليس لك ان تمسكي بثيابه ولاتضربي على يديه فقالت : اني استغفر الله ولا اعود ابدا .كما يذكر الشريف الرضي في :خصائص الائمة: ان الامام الحسن استعار قطيفة من بيت المال فغضب عليه الامام اميرالمؤمنين وقال له: يا ابا محمد النار.. يا ابامحمد النار .حتى خرج بها

 

وكذلك لم يشر الامام الحسين الى موضوع العصمة في رسالته التي ارسلها الى اهل الكوفة مع سفيره مسلم بن عقيل ، وانما طرح ضرورة اتصاف الحاكم بشروط التقوى والالتزام بالعمل بالكتاب والدين ، فقال:· فلعمري ..ما الامام الا العامل بالكتاب الحابس نفسه على الله القائم بالقسط والدائن بدين الله

 

وينقل الامام الباقر حديثا عن رسول الله حول شروط الحاكم فلا يذكر منها العصمة ، يقول: قال رسول الله· لا تصلح امتي الا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم .وفي رواية اخرى: حتى يكون للرعية كالاب الرحيم .مما يشير الى ان الامامة تصلح لعامة الناس بهذه الشروط ‍‌

 

وقد قال الامام الصادق :والله ما نحن الا عبيد ... ما نقدر على ضر ولا نفع ، ان رحمنا فبرحمته ، وان عذبنا فبذنوبنا ، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة ، وانا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون ومسئولون .. اشهدكم اني امرء ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، ان اطعت رحمني وان عصيته عذبني عذابا شديدا

 

وهناك روايتان يذكرهما الصدوق في كتابه :عيون اخبار الرضا حول عصمة الانبياء ويقول : ان الامام الرضا تحدث بهما الى علي بن محمد بن الجهم عند المأمون ، ويأول فيهما الايات القرآنية الظاهرة في معصية الانبياء وينزههم عن المعصية ، ولم يذكر الراوي اي حديث من الامام الرضا في هذه المناسبة عن عصمة الائمة ، مما يكشف عن عدم تبني اهل البيت لنظرية العصمة وعدم ظهور احاديث كهذه في تلك الايام الا عند الامامية والغلاة من الشيعة وبصورة سرية ..ولو كان لحديث العصمة اية ارضية عند اهل البيت لتحدث الامام الرضا عنها ، وهو كما يقال كان يتحدث عن الامامة بصراحة وجرأة ولم يكن يخشى الخليفة العباسي المأمون الذي اصبح وليا لعهده ..فلماذا تحدث الامام الرضا فقط عن عصمة الانبياء ولم يتحدث عن عصمة الائمة ؟ ‍

و بالرغم من وضوح موقف اهل البيت من دعوى العصمة ، وتأكيدهم على الطبيعة البشرية العادية ، واستغفارهم لله فان حاولوا الالتفاف على ذلك وقاموا بتأويل الروايات الثابتة والنافية للعصمة ، بأنها : صادرة عن الائمة في مقام التعليم لعامة الناس ، او انها صادرة تقية ، وقاموا الى جانب ذلك برواية مجموعة من الروايات التي تدعي العصمة بصراحة وتشترطها في الامام او الائمة من اهل البيت ، وهي روايات ضعيفة وغامضة وغير ذات دلالة .

 

هناك حديث مرسل عن الامام زين العابدين ، يقول:· لا يكون الامام منا الا معصوما ، وليست العصمة ظاهرة من ظواهر الخلقة لتعرف بين عامة الناس، وانما هي الاعتصام بحبل الله ، وحبلالله هو القرآن ، والقرآن يهدي الى الامام

 

وبغض النظر عن مناقشة هذا الحديث ، غير المسند ، المنسوب الى الامام زين العابدين فانه يفسر العصمة بالاعتصام بحبل الله وهو القرآن ، ولم يتحدث عن طوق مفروض من الله حول الامام يمنعه من ارتكاب المعصية كما يقول المتكلمون.

 

وهناك حديث آخر عن الامام الصادق يفسر المعصوم بانه ­ الممتنع بالله من جميع محارم الله , وقد قال الله تبارك وتعالى : ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم . وهو ما يفيد ايضا نفس معنى الرواية الانفة عن الامام السجاد

هذا وقد روى الصدوق في :اكمال الدين عن سليم بن قيس عن اميرالمؤمنين انه قال: · ان الله طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في ارضه وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا¨

وروى ايضا في :عيون اخبار الرضا عن عبدالله بن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: · انا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون¨ .

ونقل المجلسي في بحار الانوار عدة احاديث قال انها تنسب الى سليم بن قيس الهلالي ولا توجد في كتابه ، وذكر منها حديثا يقول­· انما الطاعة لله عزوجل ولرسوله ولولاة الامر ، وانما امر بطاعة اولي الامر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية

 

وهذه الاحاديث لا قيمة علمية لها لانها غير مسندة ولا ثابتة .

و هناك رواية مطولة ينفرد بذكرها الصدوق عن الامام الرضا يتحدث فيها بصراحة امام الخليفة العباسي المأمون­ عن عصمة اهل البيت ، وافضليتهم وخصائصهم

و لكن تلك الرواية ضعيفة السند ، وذلك لأن الصدوق يرويها عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب ، المهمل ، و جعفر بن محمد بن مسرور ،المهمل، كذلك ، و الريان بن الصلت ،الضعيف ، الذي كان من اعوان الفضل بن سهل ، وعدم اسناد حديثه الى احد ومن دون ان يدعي الحضور والسماع ، ولذا لم ينقلها احد قبل الصدوق الذي جاء في منتصف القرن الرابع الهجري «واضافة الى ذلك فهي تشتمل على القول بتحريف القرآن حيث تضيف الرواية ­ورهطك المخلصين الى اية ­وانذر عشيرتك الاقربين و تدعي انها محذوفة من القرآن الكريم ، وهذا قول كان يقول به الغلاة وينسبونه الى الائمة ، وكان الائمة دائما يتبرأون منه ويرفضونه . ان الرواية تعتمد على منهج التأويل والتأويل التعسفي في بعض الاحيان ، ومع انها تحاول ان تثبت العصمة والطهارة لاهل البيت وعدم الردة او الرجوع الى الضلال ابدا ، فانها لم تتوقف قليلا لكي تشرح من هم اهل البيت؟..بعد حصرهم باولاد النبي والامام علي بن ابي طالب ، من دون دليل قوي وواضح ، مع ان هؤلاء كانوا مختلفين فيما بينهم وكان اولاد كل امام يصطرعون فيما بينهم ويدعي كل واحد منهم انه الامام والأحق بعد ابيه ، ويتهم الاخرين بالكذب والنفاق والانحراف والضلال، وتكشف الرواية عن محاولات الفلاسفة لتأويل القرآن بما يتلاءم مع نظريتهم الجديدة والغامضة حول عصمة الائمة

 

 

موقف الامام الصادق من الامامية

 

ومما يؤكد موقف الامام الصادق السلبي من المتكلمين الامامية ونظريتهم السرية الناشئة بعيدا عن اهل البيت ، هي احاديث الامام الكثيرة التي يزخر بها تراث الامامية ، والتي يؤولونها باسم التقية ، فقد جاء وفد من شيعة الكوفة وسألوه : يا ابا عبدالله ان اناسا يأتوننا يزعمون ان فيكم اهل البيت امام مفترض الطاعة ؟..فقال لهم : لا ، ما اعرف ذلك في اهل بيتي ، قالوا : يا ابا عبدالله انهم اصحاب تشمير واصحاب خلوة واصحاب ورع ، وهم يزعمون : انك انت هو ؟.. فقال: هم اعلم وما قالوا ، ما امرتهم بهذا

 

و ينقل الكشي عن هشام بن سالم الجواليقي انه كلم رجلا بالمدينة من بني مخزوم في الامامة ، فقال له الرجل: فمن الامام اليوم؟..فقال له: جعفر بن محمد ، فتعجب ذلك الرجل وقال : فوالله لأقولها له ، فغم ذلك هشاماً غما شديدا خوفا من ان يلومه الامام الصادق ، او يتبرأ منه

ويقول المفيد في :الارشاد­ ان الامام الصادق قد قال لهشام بن سالم الجواليقي : تريد الاثر ولا تعرف وانه قال لقيس الماصر : تتكلم ، واقرب ما تكون من الحق والخبر عن رسول الله ابعد ما تكون منه ، تمزج الحق بالباطل ، وقليل الحق يكفي

 

ويقول الكشي­ ان الامام الصادق قد نهى مؤمن الطاق عن (الكلام) وقال له بعد مناظرة جرت بينه وبين رجل من الشراة : ـ لقد حصرته ، والله ما قلت من الحق حرفا واحدا ، قال: كيف؟ ، قال: لأنك تتكلم على القياس والقياس ليس من ديني .‌

وقد أرسل الإمام الصادق إليه المفضل بن عمر لينهاه عن (الكلام( نزله وقال له: يقول لك ابو عبدالله : لا تتكلم ، فقال: اخاف ان لا اصبر ‍

 

وسأل الامام الصادق عنه من فضيل بن عثمان : ما فعل صاحب الطاق؟.. أما انه بلغني انه جدِل ، وانه يتكلم في تيم بدر؟ فقال: أجل ..هو جدل ، فقال الامام : اما انه لو شاء ظريف من مخاصميه ان يخصمه فعل ..يقول :اخبرني عن كلامك هذا، من كلام امامك ؟..فان قال : نعم ، كذب علينا ، وان قال: لا ، قال له: كيف تتكلم بكلام لا يتكلم به امامك ؟ ثم قال الامام الصادق: انتم

تتكلمون بكلام ان انا اقررت به ورضيت به اقمت على الضلالة ، وان برئت منه شق علي ..فقال فضيل بن عثمان : فابلغه عنك ذاك ؟..قال : أما انهم قد دخلوا في امر ما يمنعهم عن الرجوع عنه الا الحمية . قال فضيل : فابلغت ابا جعفر الاحول ذاك فقال : صدق بأبي وامي ما يمنعني عن الرجوع عنه الا الحمية

 

 

ويقول الكشي­ ان الامام الصادق رفض ان يستقبل ابابصير، وقال له : يهلك اصحاب الكلام وينجو المسلمون ، ان المسلمين هم النجباء. وقال­· اني لأحدث الرجل الحديث وانهاه عن الجدال والمراء في دين الله وانهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله­ اني امرت قوما ان يتكلموا ونهيت قوما ، فكل يتأول لنفسه يريد المعصية لله ولرسوله

 

 

زمة البداء

ومن جهة اخرى اصيبت النظرية الامامية الوليدة بنكسة شديدة عندما توفي اسماعيل بن جعفر الصادق ، وكان الاماميون في الكوفة قد التفوا حوله ونقلوا عن ابيه ان اسماعيل خليفته من بعده ، فلما توفي في حياة ابيه تبين ان تعيينه ليس من الله ، والا فانه لم يكن ليموت قبل ابيه ، او كان الامام يوصي الى من يعلم من الله انه سوف يبقى بعدi

و لذا فقد تراجع عن القول بنظرية الامامة سليمان بن جرير وجماعة من الشيعة بعد ما كانوا قد آمنوا بها فترة من الزمن ، فعادوا ليعتبروا الامام الصادق شخصية علمية عادية او يعتبروا الامامة امرا عاديا بشريا لا علاقة له بالله

 

ولكن فريقا من الامامية المتأثرين بحركة الخطابية الباطنية رفضوا تصديق الامام الصادق والاعتراف بالحقيقة الظاهرية ، وأصروا على انكار وفاة اسماعيل والادعاء انها مسرحية قام بتمثيلها الامام ، وانما قام في الحقيقة بتهريبه خارج المدينة والحفاظ على شخصه من الاخطار المحدقة به · اذ ان الامام لا يجوز ان يوصي الى شخص ويموت في حياته¨ ، وذلك بالرغم من ان الامام الصادق انزل جثمان ابنه اسماعيل عدة مرات ودعى المشيعين للنظر الى وجهه والتأكد من وفاته ثم نقل الخطابية الامامة في ولد اسماعيل شكلوا

الفرقة الاسماعيلية التي اقامت الدولة الفاطمية

 

اما الذين اعترفوا بوفاة اسماعيل فقد غطوا على هذه المشكلة التي تثبت عدم النص من الله ، بالقول بالبداء ، والزعم بتغيير ارادة الله بشأن اسماعيل ، بعد ان كان الامام الصادق حسب قولهم قد اشار اليه وعينه اماما من بعده

 

ولكن قسما آخر من الامامية استصعب القول بالبداء ، وقال باستحالة تغيير الله لارادته ، وفسر البداء بالبداء من الله ، او انكر ان يكون الامام الصادق قد اشار الى ابنه اسماعيل ، او الى اي واحد آخر ، بالامامة ، وقال انه رفض ان يعين واحدا بالتحديد .وانما علق معرفة الامام بعد وفاته على مجموعة من العلامات كالكبر وادعاء الامامة والوصية والجلوس مجلس ابيه

 

و تشير روايات ينقلها الصفار والصدوق الى ان كبار اصحاب الصادق مثل محمد بن مسلم ويعقوب بن شعيب وعبدالاعلى لم يكونوا يعرفون الامام بعد الصادق ، وانه رفض ان يجيبهم على سؤالهم في تحديد اسم الامام الذي يليه ، وانه طلب منهم النفر الى المدينة بعد وفاته والاستفسار والتعرف على الامام الجديد

 

ونتيجة لهذا الغموض الذي كان يحيط بهوية الامام الجديد ، فقد تفرق اصحاب الامام الصادق من الامامية الى عدة فرق فقال فريق منهم ان الامام الصادق لم يمت ، وانه المهدي المنتظر ، وهم الناووسية ، وقال فريق بامامة اسماعيل او ابنه محمد ، ونقل الامامة في ذريته ، وهم الاسماعيلية وعمل بقية الامامية بتعليمات الامام الصادق الداعية للنفر بعد وفاته ، فذهبوا الى المدينة حيث وجدوا ابنه الاكبر عبدالله الافطح قد جلس مجلس ابيه وادعى الوصية عنه والامامة بعده ، فأجمع فقهاء الشيعة ومشايخهم على امامته ، ما عدا من قال بامامة اسماعيل. وروى بعض الامامية عن الامام الصادق انه طلب من ابنه موسى ان يسلم الأمر لأخيه عبدالله ولا ينازعه بكلمة

 

وفي هذه الفترة توفي زرارة بن اعين ، وهو من اكبر اصحاب الامامين الباقر والصادق ، دون ان يعرف هوية الامام الجديد ، وقد ارسل ابنه عبيدالله من الكوفة الى المدينة لكي يستطلع له الامام الجديد ، و لكن الموت ادركه فوضع القرآن على صدره وقال: اللهم اشهد اني أأتم بمن اثبت امامته هذا المصحف

 

ويؤكد الصفار والكليني والمفيد والكشي : على ذهاب اقطاب النظرية الامامية كهشام بن سالم الجواليقي ومحمد بن النعمان الاحول في البداية الى عبدالله الافطح ·الذي اجمع الناس عليه انه صاحب الامر بعد ابيه ¨ وذلك لرواية الناس عن ابي عبدالله ­· ان الامر في الكبير مالم تكن به عاهة ¨ ، واصرار عمار الساباطي وهو من اصحاب الامامين الباقر والصادق على القول بامامته حتى النهاية

وهكذا احتل عبدالله الافطح مقام الامامة بالوصية والكبر والجلوس مجلس ابيه ، وكاد ان يحضى باجماع الشيعة عليه بالرغم من عدم وجود نص واضح وصريح عليه من ابيه الامام الصادق

ويقول هشام بن سالم الجواليقي انه دخل على عبد الله الافطح ، مع مجموعة من الشيعة ، وانهم سألوه بعض المسائل الفقهية فلم يجبهم بصورة صحيحة ، مما دفعهم الى التشكيك بامامته والخروج من عنده ·حيارى ضلالاً فقعدنا في بعض ازقة الكوفة باكين حيارى لا ندري الى اين نتوجه ولا من نقصد ، ونقول : الى المرجئة ؟.. إلى الزيدية؟.. الى المعتزلة ؟.. الى الخوارج ؟...فنحن كذلك اذ رأيت رجلا شيخا لا اعرفه يوميء الي بيده ... فقال لي ادخل رحمك الله فدخلت ، فاذا ابو الحسن موسى ، فقال لي ابتداءاً منه : لا الى المرجئة ولا الى القدرية ولا الى الزيدية ولا الى المعترلة ولا الى الخوارج ..إلي إلي ..قلت : جعلت فداك مضى ابوك ؟..قال : نعم ...قلت : فمن لنا من بعده؟..قال : ان شاء الله ان يهديك هداك ...قلت­ جعلت فداك فانت هو؟.. قال : لا ما اقول ذلك ... فقلت في نفسي: لم اصب طريق المسألة ، ثم قلت جعلت فداك ..عليك امام ؟..قال: لا فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله اعظاما

له وهيبة ، ثم قلت: جعلت فداك .. اسألك كما كنت اسأل اباك ؟..قال: سل .تخبر ، ولا تذع فان اذعت فهو الذبح قال فسألته فاذا هو بحر لا ينزف ، قلت: جعلت فداك ..شيعة ابيك ضلال ، فالقي اليهم هذا الامر وادعوهم اليك ؟..فقد اخذت علي الكتمان ..قال: من آمنت منهم رشدا ، فألقِ اليه ، وخذ عليه الكتمان ، فان اذاع فهو الذبح واشار بيده الى حلقه . قال :فخرجت من عنده فلقيت ابا جعفر الاحول ، فقال لي : ما وراءك ؟، قلت : الهدى ، وحدثته بالقصة ، ثم لقينا الفضيل وابا بصير فدخلا عليه سمعا كلامه وسألاه وقطعا عليه

 

وفي هذه الرواية يقول هشام ­ ان الناس اجمعوا في البداية على الأقل على امامة عبدالله الافطح ، و ان اقطاب الامامية لم يكونوا يعرفون باي نص حول الكاظم الذي كان يرفض الادعاء بها ، وقيام امامته لدى هشام على اساس العلم الغزير ، وعدم استعداد الامام الكاظم للاعلان عنها أمام الملأ

 

وسواء صح تراجع هشام بن سالم واصحابه عن القول بامامة عبدالله الافطح في حياته أم لا ، فان الافطح قد توفي بعد حوالي سبعين يوما من وفاة ابيه ، دون ان يخلف ولدا تستمر الامامة في ذريته ، وهذا ما خلق أزمة جديدة في صفوف الامامية الذين كانوا يعتقدون أن الامامة من الله ، وانها لا بد ان تستمر في الاعقاب واعقاب الاعقاب هكذا ابدا الى يوم القيامة وانقسموا الى ثلاث فرق ، حيث تراجع قسم منهم وهم الموسوية عن القول بامامته وشطبوا اسمه من لائحة الأئمة ، وذهب بعض من تأخر عنه الى اتهامه بالفسق والجهل والانحراف ، وذلك من اجل تبيان عدم شرعيته في الامامة منذ البداية

و انتقل قسم آخر كعبدالله بن بكير وعمار بن موسى الساباطي الى القول بامامة اخيه موسى من بعده ، وعرف هؤلاء بالفطحية ، وكانوا من كبار اصحاب الامام الصادق وبقية الائمة اللاحقين

 

وقد تجاوز الفطحية مسألة الوراثة العمودية ، وأجازوا القول بامامة الاخوين اذا لم يكن للسابق ولد« بينما أصر فريق ثالث على ادعاء وجود ولد لعبدالله الافطح ، في السر ، وقد اخفاه للتقية ، وقالوا ان اسمه محمد بن عبد الله وانه المهدي المنتظر ، وانه غائب في اليمن

 

وقد كشفت هذه الأزمة عن هشاشة وغموض نظرية النص في الإمامة وصعوبة تحديد الامامية او معرفتهم بالامام المنصوص عليه من الله واتفاقهم عليه ، وامكانية القول بامام لا تتوفر فيه شروط الامامة ، ثم التراجع عنه بعد ذلك

 

امامة موسى الكاظم

لقد تبوأ الامام موسى الكاظم مقامه القيادي السامي في نفوس الشيعة ، بعد وفاة اخيه عبدالله ، لعلمه وورعه وعبادته واخلاقه الفاضلة وهذه صفات حقيقية تكفي لرفع صاحبها الى مصاف الامامة في المجتمع الاسلامي، وهو ليس بحاجة بعدها الى اثبات العصمة له او النص عليه ، حسبما يقول الاماميون الذين لم يستطيعوا اثبات شيء اكثر من ذلك يقول الشيخ الصدوق في معرض الاستدلال على امامة الكاظم : ·ان الامام اذا كان ظاهرا ، واختلفت اليه شيعته ظهر علمه ..وظهر من فضله في نفسه ما هو بين عند الخاصة والعامة ، وهذه هي امارات الامامة ، فلما وجدناها لموسى دون غيره علمنا انه الامام بعد ابيه دون اخيه

 

ولكن و بالرغم من ذلك الغموض الذي كان يلف قضية الخلف بعد الامام الصادق، ووفاة زرارة دون معرفة الامام الجديد ، وذهاب اقطاب النظرية الامامية الى القول بامامة عبدالله الافطح ، فان الامامية وبالذات المفضل بن عمر وابو بصير ويعقوب السراج حاولوا ان يأتوا بنصوص تثبت اشارة الامام الصادق الى ابنه الكاظم ، وقد ذكر الكليني في الكافي والصفار في بصائر الدرجات والصدوق في ­عيون اخبار الرضا والمفيد في­الارشاد حوالي ستة عشر نصا تتراوح بين الاشارة الغامضة الى التأكيد الصريح الواضح

 

الا ان تلك النصوص لم تكن حاسمة في معركة الامامة ، او بالاحرى لم تكن موجودة في البداية ، وقد اعترف الصدوق ­ بأن الامام الكاظم كان منعزلا عن السياسة وكاتما لأمره ، وان الشيعة لم تكن تختلف اليه و روى حديثا غريبا عنه يأمر فيه الشيعة بطاعة السلاطين على كل حال ، فان كانوا عدولا فليسألوا الله إبقاءهم ، وان كانوا جائرين فليسألوا الله صلاحهم

ومن هنا فقد انصرف عامة الشيعة في عهد الامام الكاظم الى عيسىبن زيد بن علي وبايعوه سرا بالامامة سنة ‍وهو بالعراق وجاءته بيعة الاهواز وواسط ومكة والمدينة وتهامة واثبت دعاته فبلغوا مصر والشام . واتفق مع اصحابه على الخروج بعد وفاة المنصور الدوانيقي . فمات مسموما بسواد الكوفة مما يلي البصرة سنة كما استجاب الشيعة للحسين شهيد فخ واقبلوا يبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد . وقد اعلن الحسين : ·ابايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى ان يطاع الله ولا يعصى وادعوكم الى الرضا من آل محمد . وعلى ان نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله . والعدل

في الرعية والقسم بالسوية .وعلى ان تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فان نحن وفينا لكم وفيتم لنا وان نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم¨

 

دليل المعاجز

ولما لم يكن الامام موسى الكاظم يدعو الى نفسه ، ولم يكن يوجد عليه اي نص خاص من الله او من ابيه ، فقد لجأ الامامية الى سلاح المعاجز وعلم الغيب ليثبتوا وجود الارتباط الخاص بالسماء للامام الكاظم ، وتحديده من بين اخوته كوريث شرعي ووحيد للامام الصادق« يقول ابو بصير انه ذهب الى الامام الكاظم وسأله قائلاً­ جعلت فداك بم يعرف الامام؟..قال : بخصال : اما اولاهن فانه بشيء قد تقدم من ابيه واشارته اليه ليكون حجة ، ويسأل فيجيب واذا سكت عنه ابتدأ ، ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان ثم قال : يا ابا محمد ان الامام لا يخفى عليه كلام احد من الناس ولا منطق الطير ولا كلام شيء فيه روح ، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بامام

ويقول الكليني: ·ان الامام الكاظم كان يعلم متى يموت الرجل ويخبر اصحابه بذلك ، كما يخبرهم بمصائرهم في المستقبل وهكذا يروي المحدثون في عملية اثبات ·امامة ¨ الكاظم مجموعة كبيرة من المعاجز ، كخروجه من الحبس ببغداد وتحطيمه الاغلال واختراقه للجدران ، وذهابه الى المدينة المنورة وعودته في نفس الليلة . وطبع خاتمه في حصاة ، وتكلمه بلغات اجنبية من دون تعلم ، وعدم احراق النار له ، واحيائه لبقرة ميتة

 

الا ان هذا ·الدليل¨ كان يعاني من مشكلة صعوبة اثباته لأي احد خاصة في ظل نفي الامام الكاظم له وانكاره لمعرفة علم الغيب

 

الواقفية

ولم تكد نظرية الامامة تلتقط انفاسها بعد أزمة الوصية الى اسماعيل والبداء فيه ، وازمة عبدالله الافطح ووفاته دون عقب ، ثم ازمة اثبات امامة الكاظم حتى وقعت في ازمة جديدة هي وفاة الامام موسى الكاظم في سجن هارون الرشيد في بغداد سنة بصورة غامضة ، وقول عامة الشيعة الموسويةبهروب الامام من السجن وغيبته ، وانكار وفاته

وقد كانت وفاة الكاظم غامضة حقا بحيث التبس الامر على معظم ابنائه و تلامذته واصحابه ومنهم بعض اصحاب الاجماع والرواة الثقاة كعلي بن ابي حمزة وعلي بن الخطاب وغالب بن عثمان ومحمد بن اسحاق ابن عمار التغلبي الصيرفي واسحاق بن جرير وموسى بن بكر ووهيب بن حفص الجريري ويحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ويحيى بن القاسم الحذاء ابو بصير وعبدالرحمن بن الحجاج ورفاعة بن موسى ويونس بن يعقوب وجميل بن دراج وحماد بن عيسى واحمد بن محمد بن ابي نصر ،وآل مهران ، وغيرهم من الاصحاب الثقاة

 

وكان السبب الرئيسي في (وقف) الشيعة الموسوية على الامام الكاظم ، ورفض الاعتراف بامامة ابنه الرضا ، هو وجود روايات كثيرة بمهدوية الكاظم وحتمية قيامه قبل موته

 

وقد حج الحسن بن قياما الصيرفي سنة ثلاث وتسعين ومائة اي بعد عشر سنين من وفاة الكاظم وسأل الرضا عن ابيه فقال له : مضى كما مضى آباؤه ، فقال: فكيف اصنع بحديث حدثني به يعقوب بن شعيب عن ابي بصير ان ابا عبدالله قال : ان جاءكم من يخبركم ان ابني هذا مات او كفن وقبر ونفضوا ايديهم من تراب قبره فلا تصدقوا به ؟..فقال : كذب ابو بصير ليس هكذا حدثه ..انما قال : ان جاءكم عن صاحب هذا الامر

ويروي الكليني عن علي بن اسباط قال قلت للرضا: ان رجلا عنى اخاك ابراهيم فذكر له ان اباك في الحياة ، وانك تعلم من ذلك مايعلم ؟..فقال : سبحان الله يموت رسول الله ولا يموت موسى ؟!..وأكد له: قد والله مضى كما مضى رسول الله

 

وقد زاد الامامية الموسوية شكاً في الامام الرضا الحديث الذي كان شائعا عندهم: ان الامام لا يغسله الا الامام فقالوا : كيف اذن غسل علي الرضا اباه الذي توفي في بغداد وكان هو في المدينة

و ظل بعضهم يتساءل عن كيفية معرفة الامام الرضا بوفاة ابيه ؟..ومتى عرف؟..ومتى علم انه اصبح اماما خليفة لابيه؟..وهل كانت هناك فاصلة بين وفاة الكاظم ومعرفة ابنه الرضا وبالتالي توليه للامامة من بعده ؟

 

وكان مما بعث في قلوب الشيعة الواقفيةالشك بامامة الرضا هو عدم انجابه حتى وقت متأخر ، وشك اهل بيت الامام الرضا بصحة نسب ابنه محمد الجواد الذي نسبوه الى غيره وذلك لسواد بشرته ، ثم لجوئهم الى القافة لحسم الموضوع

 

اضافة الى غموض النص على الامام علي بن موسى الرضا الذي لم يكن معروفا كإمام لدى عامة الشيعة و حتى لدى اولاد الامام الكاظم ، وحتى لدى زوجة الامام الاثيرة ام احمد ‌ وتقول احدى الروايات ان الشيعة في المدينة لما سمعوا بخبر وفاة الامام الكاظم اجتمعوا على باب ام احمد وبايعوا احمد بن الامام الكاظم بالامامة فأخذ البيعة منهم ‍

 

وقد تشبث الاماميون في عملية اثبات ·الامامة¨ للرضا بوصية الإمام الكاظم اليه ، واعتبر محمد بن زيد بن علي الوصية بمثابة عقد له بالامامة ، ولكن الوصية كانت غامضة ايضا ، و غير صريحة بالامامة ، خاصة وان الكاظم اشرك بقية بنيه مع ابنه علي فيها .وكانت تتعلق بالاموال والاوقاف والصدقات والصبيان والنساء، ولذا فقد كانت سرية يرفض الامام الكاظم ان يطلع عليها اي احد من خارج الاسرة

ولذا لم يجد كثير من الشيعة في الوصية اية دلالة على امامة الرضا

 

موقف الشيعة في عهد الرضا

ونتيجة لغموض النص ,حول الامام الرضا ، وعدم شيوع نظرية الامامة الالهية بين اوساط الشيعة في عهد الامام الرضا , فقد برز عدد من الزعماء العلويين الآخرين كقادة للحركة الشيعية المعارضة ، كعلي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب , و عبدالله بن موسى و محمد بن ابراهيم ابن طباطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب

يقول الاصفهاني­ ان رجلا من شيعة الجزيرة يدعى : نصر بن شبيب قدم الى الحجاز في مطلع عهد المأمون سنة ‍ ومر بالمدينة فسأل عن بقايا اهل البيت ومن له ذكر منهم , فذكرت له اسماء اولئك العلويين الثلاثة , فالتقى باحدهم وهو محمد بن ابراهيم وذكره بما نزل بآل علي من تنكيل واضطهاد وباغتصاب العباسيين لحق العلويين في الخلافة ثم قال له: حتى متى توطئون بالخسف تهتضم شيعتكم وتسكنون على حقكم؟.. ودعاه للقدوم الى الجزيرة لاعلان الثورة ضد الحكم العباسي الضعيف ولكن نصر لم يستطع الوفاء بتعهده لاختلاف عشيرته وقلة امكانياته فاعتذر الى محمد الذي رجع خائبا الى الحجاز , ولكنه في الطريق التقى بأبي السرايا : السري بن منصور الذي كان قد تمرد على السلطة العباسية , فعرض على محمد بن ابراهيم ان يقدم له ما كان نصر قد عجز عن الوفاء به , وتعهد له ان يكون له نصيرا ومؤازرا ,وطلب منه ان يعدل عن الرجوع الى المدينة وان يتجه بدلا من ذلك الى الكوفة

 

وهكذا اعلن ابن طباطبا بمعونة ابي السرايا الثورة في الكوفة عام ‍ وخطب فيهم داعيا الى البيعة للرضا من آل محمد والعمل بكتاب الله وسنة نبيه والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وبايعه اهل الكوفة على ذلك . ولكن ابن طباطبا سرعان مامرض وتوفي فاوصى الى ابي السرايا : بتقوى الله والمقام على الذب عن الدين ونصرة اهل بيت النبي , وتولية الناس من يقوم مقامه من آل علي ، فان اختلفوا فالامر الى علي بن عبيد الله

ولم يخصص ابن طباطبا سواء في خطبة البيعة او الوصية شخصا من آل ابي طالب ، وانما دعا الى : (الرضا من آل محمد ) ولم يكن الشيعة في الكوفة يحملون صورة خاصة عن رجل معين من اهل البيت ، او ايمانا بنظرية محددة كالامامة الالهية ..ولم يظهر عليهم اي ميل خاص لامامة علي بن موسى الرضا الذي كانوا يكنون له الاحترام كواحد من زعماء البيت العلوي . وفي اليوم التالي لوفاة ابن طباطبا جمع ابوالسرايا الشيعة فعزاهم بوفاة محمد بن واخبرهم بوصيته وانه قد عهد الى علي بن عبيدالله , ثم قال : ان رضيتم به فهو الرضا , والا فاختاروا لانفسكم ولكن علي تنازل عن هذا العهد ورشح غلاما علويا هو محمد بن محمد بن زيد - وكان امرد حدثا - لتبايعه الشيعة فوافق ابوالسرايا على ذلك واقبلت الشيعة عليه تبايعه . و قد ولى محمد بن محمد : ابراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن , و ولى زيد بن موسى بن جعفر على الاهواز , و ولى العباس بن بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر بن ابي طالب على البصرة , و ولى محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي على المدينة , و ولى الحسين بن ابراهيم بن الحسن بن علي على واسط , و ولى الحسين بن الحسن على مكة

 

وقد اتسع نفوذ الزعيم العلوي الشاب محمد بن محمد واستطاع خلال فترة وجيزة ان يسيطر على كثير من مدن العراق والحجاز واليمن , وتتابعت الكتب وتواترت عليه بالفتوح من كل ناحية , وكتب اليه اهل الشام والجزيرة انهم ينتظرون ان يوجه اليهم رسولا ليسمعوا له ويطيعوا

ولكن ما أن حل الشهر الاول من العام الجديد ‌‌ للهجرة ، حتى انهارت هذه الحركة الشيعية , وبدأ جيش الخليفة العباسي المأمون يستعيد السيطرة علىمختلف المدن ويطارد قوات الحركة ويقتل قائدها ابا السرايا ويلقي القبض على زعيمها محمد بن محمد , بعد عشرة شهور من قيامها

 

ولم تكد ثورة ابي السرايا تخمد وتنتهي حتى كان محمد الديباج بن الامام الصادق يعلن نفسه في الحجاز : اميراً للمؤمنين ويأخذ البيعة بعد صلاة الجمعة لست خلون من ربيع الآخر سنة ‌‌ وقد رجى ان يكون المهدي القائم .. ولكنه سرعان مافشل وتنازل عن الخلافة ، وبايع المأمون ومع ذلك فقد اقتادته القوات العباسية مخفورا الى خراسان

 

وما يهمنا من امر محمد الديباج هو موقف الطالبيين والشيعة عموما من حركته وحشر الناس لبيعته , وهو ما يدل على حجم التأييد له بالنسبة الى ابن اخيه الرضا ، وجهل عامة الشيعة بنظرية الامامة الالهية القائمة على العصمة والنص التي كان يقول بها جماعة من المتكلمين في الكوفة .

ـ موقف المأمون من الرضا

وعندما عرض المأمون العباسي الخلافة على الامام علي بن موسى الرضا عام ‌‍ للهجرة ، فانه لم يعرضها عليه باعتباره الامام الثامن في سلسلة الائمة الاثني عشر ، وانما بناء على فضله وجلالته ، وكان المأمون قد عاهد الله خلال صراعه مع اخيه الامين ان ينقل الخلافة الى افضل آل ابي طالب ، ثم اعلن: ان علي الرضا هو افضل العلويين

وقد احدث المأمون بذلك انعطافا حادا في الايديولوجية السياسية العباسية التي بناها المهدي العباسي وأقر على ضوئها الحق العباسي في الخلافة استنادا الى حق جدهم العباس بوراثة النبي واصدر منشورا سياسيا بذلك ، خلافا لما كان عليه العباسيون من الفكر الشيعي القديم الكيساني ، قبل انتصارهم وقضائهم على الدولة الاموية عام ‍، حيث كانوا يؤمنون بشرعية امامة الامام علي بن ابي طالب ، ويستمدون شرعيتهم من ابي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية ، الذي قالوا انه قد اوصى لجدهم بالامامة عند موته المفاجيء في الحميمة.

 

وقد اعاد المأمون الفكر العباسي السياسي الى الجناح العلوي الفاطمي ، واعلن : ان الحق الاساسي في الخلافة للعلويين ، بناءا على حق الامام علي في خلافة الرسول ، ولذلك فقد دعا الرضا لاستلام الخلافة منه ، و عندما رفض الامام الرضا ذلك ، عرض عليه ولاية العهد فقبلها منه ، والقى الامام الرضا يوم البيعة خطبة قال فيها : · ان اميرالمؤمنين عضده الله بالسداد ووفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل ارحاما قطعت وآمن نفوسا فزعت ، بل احياها وقد تلفت، واغناها اذ افتقرت ، مبتغيا رضا رب العالمين لا يريد جزاءا الا من عنده... وانه جعل الي¹ عهده والامرة الكبرى ان بقيت بعده ، فمن حل عقدة امر الله تعالى بشدها ، وقصم عروة أحب الله ايثاقها فقد باع حريمه وأحل محرمه ، اذ كان ذلك زاريا على الامام منتهكا حرمة الاسلام ، بذلك جرى السلف ... فرصة تنتهز وبائقة تبتدر ، وما ادري ما يفعل بي ولا بكم ، ان الحكم الا لله يقضي الحق وهو خير الفاصلين

 

ومهما اختلف المؤرخون في تحليل موقف المأمون ، فان مبايعة الامام الرضا له وقبوله بولاية العهد ، يكشفان عن موقف آيديولوجي ظاهر بشرعية خلافة المأمون وواقعية امامة الرضا بعيدا عن نظرية :الامامة الالهية الخاصة في اولاد علي والحسين . وقد اصبح التحالف بين البيتين الهاشميين ­ العباسي والعلوي ، سمة المرحلة التالية ، و عقيدة دولة الخلافة العباسية الرسمية لبضعة عقود وقد تمثلت بعد المأمون في موقف الخلفاء العباسيين الايجابي من ابناء الرضا كمحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ، حيث كان الخلفاء يتخذون منهم رموزا للشرعية الدستورية ، ويقدمون لهم كامل الاحترام والتقدير ..

 

ثورة ابراهيم بن موسى الكاظم في اليمن

 وبينما كان الامام الرضا يتوجه الى خراسان تلبية لدعوة الخليفة العباسي المأمون ، ويعقد معه الصلح والهدنة ،ويقبل ولاية العهد ويبايع له في رمضان سنة ‌‍ كان اخ له هو ابراهيم بن موسى الذي كان مشاركا في ثورة ابن طباطبا في الكوفة ، وذهب من قبلها واليا على اليمن يرفض الاعتراف بهزيمة الثورة المطلقة ، عام ‌‌ ويصر على السيطرة على اليمن باسمه ، و قد حكمها لفترة اضطر بعدها الخليفة المامون الى الاعتراف به وعزل واليه محمد بن علي بن عيسى بن ماهان

 

ثورة علي بن محمد بن الصادق وعبدالله اخي ابي السرايا في الكوفة

 

وقد حدثت هذه الثورة في الكوفة ، موطن الشيعة ، في سنة ‌ للهجرة، اي بعد اقل من عامين على فشل ثورة والد علي بن محمد و ثورة اخي عبدالله . وقد تمت هذه الثورة الجديدة المشتركة في ظرف جديد هو مصالحة المأمون مع اكبر اعمدة البيت العلوي ، وضد الوالي العلوي ­ العباس بن موسى اخي الإمام الرضا ، الذي كان يدعوهم للبيعة للخليفة العباسي المامون وولي عهده الرضا

.

 

وقد كان اتجاه الرفض منصبا ضد الخليفة العباسي بالتحديد و ضد البيعة له ، ولأنها كانت ثورة شيعية فلم يكن موقفها سلبيا من الامام الرضا ، وقد عبر اهل الكوفة عن رأيهم هذا بقولهم للعباس بن موسى : ان كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك ، فلا حاجة لنا في دعوتك ، وان كنت تدعو الى اخيك او بعض اهل بيتك او الى نفسك اجبناك

ان هذا الموقف يكشف لنا عن عدم ايمان اهل الكوفة في ذلك الوقت بنظرية الامامة الالهية ، وعن عدم تفريقهم بين الامام الرضا او اخيه العباس او اي احد من اهل البيت لقيادتهم وامامتهم .. مما يعني ان كلمة اهل البيت عند اهل الكوفة في ذلك الزمان كانت شاملة لكل ابناء البيت العلوي ، ولم تكنمحددة في اشخاص معينين ، كما انها كانت تعني من قبل ، في ايام الامويين : كل البيت الهاشمي ومن ضمنهم بنو العباس الذين كانوا يعملون تحت شعار الى الرضا من آل محم].

 

القطعية

في مقابل هؤلاء الشيعة المنفتحين ، ومقابل الواقفية الذين وقفوا على امامة الكاظم ، كان هناك بالطبع من قال بامامة علي بن موسى الرضا وقطعوا عليه ، وقد سمي هؤلاء بالقطعية وقد روى هؤلاء نصوصا كثيرة من الكاظم حول تعيين ابنه الرضا خليفة له واماما من بعده

 

وربما كان الحديث التالي هو ابرز ما في تلك النصوص ­

 

يقول يزيد بن سليط : لقيت ابا ابراهيم الكاظم ونحن نريد العمرة في بعض الطريق ، فقال لي : اني خرجت من منزلي فاوصيت الى ابني فلان ، واشركت معه بني في الظاهر ، واوصيته في الباطن ، فافردته وحده ، ولو كان الامر الي لجعلته في القاسم ابني لحبي اياه ورأفتي عليه ، ولكن ذلك الى الله عزوجل يجعله حيث يشاء ، ولقد جاءني بخبره رسول الله ثم أرانيه واراني من يكون معه ، وكذلك لا يوصي الى احد منا حتي ياتي بخبره رسول الله وجدي علي ... ثم قال لي : والامر قد خرج منك الى غيرك ، فقلت : يارسول الله أرنيه أيهم هو ؟.. قال رسول الله : مارأيت من الائمة احدا اجزع على فراق هذا الامر منك ، ولو كانت الامامة بالمحبة لكان اسماعيل أحب الى ابيك منك ، ولكن ذلك من الله عزوجل ... ورأيت ولدي جميعا الاحياء منهم والاموات ، فقال لي امير المؤمنين : هذا سيدهم واشار الى ابني علي فهو مني وانا منه والله مع المحسنين .

ثم قال ابو ابراهيم : يايزيد انها وديعة عندك فلا تخبر بها الا عاقلا او عبدا تعرفه صادقا ، وان سألت عن الشهادة فاشهد بها .. وقال ابو ابراهيم : فاقبلت على رسول الله فقلت : قد جمعتهم لي بابي انت وامي ، فأيهم هو؟..فقال: هو الذي ينظر بنور الله عز وجل ويسمع بفهمه وينطق بحكمه ، واخذ بيد علي ابني ،ثم قال: ما اقل مقامك معه ، فإذا رجعت من سفرك فأوصِ واصلح امرك ، وافرغ مما ردت فانك منتقل عنهم ومجاور غيرهم ، فإذا اردت فادع عليا فليغسلك وليكفنك فانه طهر لك ولا يستقيم إلا ذلك ، سنة قد مضت ، مره فليكبر عليك تسعا فانه قد استقامت وصيته ووليك وانت حي . ثم قال ابو ابراهيم : اني أؤخذ في هذه السنة والامر هو الى ابني علي ، وليس له ان يتكلم الا بعد هارون باربع سنين

 

ان هذه الرواية الاخيرة هي اكثر الروايات الواردة بشأن امامة الرضا صراحة ووضوحا .. و هي تقول : ان الامام الكاظم كان يجهل الامام بعده وكان يفضل القاسم حتى مشاهدة الرؤيا ، وان تحديد الامام اللاحق يتم في المنام والرؤيا ، وان الوصية الظاهرة كانت عامة بحيث لا تفيد دلالة خاصة على الامامة ، و تدعي وجود وصية اخرى سرية ، وان الامام الكاظم اوصى الى ابنه علي سرا مما اوقع اولاد الامام الكاظم واخوته في الجهل وعدم المعرفة ويحتمل ان يكون يزيد بن سليط ، او رجل آخر قد اختلقها فيما بعد تأييدا لامامة الرضا ، وذلك لأن الراوي يدعي ان الامام الكاظم طلب منه ان يبقي الأمر سرا مكتوما لا يبوح به الا للعقلاء والعباد الصادقين ، وان الامام

لم يعلن ذلك في الظاهر حتى لأبنائه وهو ما يبعث على الارتياب بهذه الرواية˜الباطنية

 

ـ المعاجز و علم الغيب ..

وفي غياب النصوص الواضحة والصريحة والعامة والعلنية على امامة الرضا ، كان لا بد للامامية من الاستعانة بسلاح المعاجز وادعاء معرفة الامام الرضا بعلم الغيب

وقد كان احمد بن محمد بن عمرو بن ابي نصر البزنطي السكوني الكوفي الذي يعتبر من· اصحاب الاجماع ¨ واقفيا في البداية ، وقد رفض الايمان بامامة الرضا · لأنه كما يقول اجاب عن بعض المسائل الفقهية بخلاف ما جاء عن آبائه واقربائه¨ ، لكن البزنطي عاد فقال بامامة الرضا ، بعد ان استدعاه المأمون اليه ، و قال انه شعر بعلم الامام الرضا للغيب ، ومعرفة ما في نفسه ، واتخذ من ذلك دليلا اعجازيا على امامة الرضا ، واصبح من اقرب مقربيه وذا منزلة عظيمة لديه ،وروى كتابا

 

وقد شك داود بن كثير الرقي الذي يعده الكشي من الثقاة ويروي عن الصادق انه قال عنه: انه منه بمنزلة المقداد من رسول الله ، وانه احد اصحاب القائم بالامام الرضا وتوقف عن القول به ، وذلك لرواية رواها حول الكاظم انه القائم ثم عاد فقال بامامة الرضا كما وقف عبدالله بن المغيرة فترة من الزمن ثم انتقل الى القول بامامة الرضا ليس بناءا على حديث وجده بعد ذلك ، وانما بناءا على دليل غيبي ومعجزة وعلم بالغيب وجده في الامام الرضا.. يقول ­ كنت ·واقفا¨ وحججت على تلك الحال ،فلما صرت بمكة خلج في صدري شيء ، فتعلقت بالملتزم ثم قلت : اللهم قد علمت طلبتي وارادتي فارشدني الى خير الاديان ، فوقع في نفسي : ان آتي الرضا ،فأتيت المدينة فوقفت ببابه وقلت للغلام: قل لمولاك: رجل من اهل العراق بالباب ، قال : فسمعت نداءه وهو يقول : ادخل ياعبدالله بن المغيرة .. ادخل ياعبدالله بن المغيرة ، فدخلت ، فلما نظر الي قال لي : قد اجاب الله دعاءك ، وهداك لدينه ، فقلت : اشهد انك حجة الله وامينه على خلقه

 

وهناك رواية اخرى اكثر صراحة في ارتكاز القول بامامة الرضا على علم الغيب ..وهي تأتي من راوٍ آخر كان ايضا واقفياً حوالي عشرة اعوام حتى ذهاب الامام الى خراسان ، وهو الوشاء ، الذي يدعي انه أتى خراسان فأرسل الإمام الرضا خادمه اليه ليشتري منه بعض الثياب التي كان قد نسيها وعرف هو موضعها.وانه اخبره بجواب مسائل كان ينوي ان يسأله عنها

وقد قرر الوشاء على ضوء هذه المعاجز التحول للقول بامامة الرضا بعد ان لم يكن يؤمن بها اكثر من عشر سنين

 

ويروي الطوسي في :الغيبة عدة روايات عن علم الامام الرضا للغيب كدليل على امامته ..منها : إخبار المأمون بمكان وفاة الرضا ومكان وفاة المأمون ،واخباره المأمون عن وليد سيولد له زائد الخلقة « كما يروي الكليني عدة قصص اعجازية منها : اخبار الامام الرضا لرجل عن كمية دينه واعطائه اموالا بقدر حاجته ، ويورد الصدوق مجموعة كبيرة من الدلائل التي تثبت امامة الرضا، وكلها تقوم على معرفة الامام بعلم الغيب وعلم المنايا والبلايا« ويذكر في عيون اخبار الرضا معجزة مقتل الرضا بيد غلمان المأمون وعودته للحياة مرة اخرى . كما يذكر الصفار علم الامام بمنطق الطير ، كدليل على صحة امامته . وفي رواية يذكرها الحر العاملي عن الامام الرضا ­ان دلالة الامامة تكمن في استجابة الدعوة وعلم الغيب والاخبار بما يكون وما في قلوب الناس

 

ولكن هذه القصص غير قابلة للاثبات ، وتتنافى مع القرآن الكريم وسيرة اهل البيت ، وهي من صنع الغلاة ، ولذلك فهي لا تشكل دليلا مقنعا على امامة الرضا

وبعد سقوطها وسقوط تلك الروايات التي يذكرها الاماميون حول النص ، فلنا ان نستمع الى الامام الرضا وهو يتحدث عن نظرية الشورى بصراحة ويروي عن آبائه واجداده الاطهار ، حديثا عن رسول الله انه قال­· من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فان الله قد اذن ذلك وهو ما يكشف عن نظرية الامام الرضا السياسية الحقيقة المنسجمة مع الخط العام لأهل البيت ، والتي تؤكد حق الامة في الشورى واختيار حكامها وتدعو الى قتل كل من يغتصبها حقها ويستولي عليها بدون ارادتها ..

 

أزمة الطفولة

وبينما كان الامامية يحاولون اثبات امامة الرضا بالنصوص والمعاجز ، توفي الامام الرضا في خراسان سنة وكان ابنه محمد الجواد يبلغ من العمر سبع سنين ، مما سبب في حدوث أزمة جديدة في صفوف الامامية ، وشكل تحديا ً كبيرا للنظرية الوليدة « حيث لم يكن يعقل ان ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلا صغيرا محجورا عليه لا يحق له التصرف بامواله الخاصة ، غير مكلف شرعا ، ولم تتح له الفرصة للتعلم من ابيه الذي تركه في المدينة وله من العمر اربع سنوات

 

وهذا ما ادى الى انقسام الشيعة الامامية الى عدة فرق :

أ - فرقة عادت الى الوقف على موسى الكاظم ، وتراجعت عن ايمانها بامامة الرضا ، ورفضت الاعتراف بامامة الجواد . وقالت­ · ان من كان له من السن ماذكرناه لم يكن من بالغي الحلم ولا مقاربيه ، والله تعالى يقول: وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم واذا كان الله تعالى قد اوجب الحجر على هذا في امواله لايجابه ذلك في جملة الايتام بطل ان يكون اماما لان الامام هو الوالي على الخلق في جميع امر الدين والدنيا وليس يصح ان يكون الوالي على اموال الله تعالى كلها من الصدقات والاخماس ، والمأمون على الشريعة والاحكام وامام الفقهاء والقضاة والحكام ، والحاجر على كثير من ذوي الالباب في ضروب من الاعمال من لا ولاية له على درهم واحد من مال نفسه ولا يؤمن على النظر لنفسه ، ومن هو محجور عليه لصغر سنه ونقصان عقله لتناقض ذلك واستحالته

 

ب وفرقة ذهبت الى أخي الامام الرضا : احمد بن موسى الذي كان يرى رأي الزيدية وخرج مع ابي السرايا في الكوفة والذي كان موضع تقدير وحب اخيه الرضا ، وكان على درجة من العلم والتقوى والورع كما يصفه الشيخ المفيد في الإرشاد وزعم هؤلاء ان الرضا اوصى اليه ونص بالامامة عليه وقد نحى هؤلاء منحى الفطحية الذين قالوا بامامة موسى الكاظم بعد وفاة عبدالله بن جعفر دون ان يعقب ، ولم يلتزموا بدقة بقانون الوراثة العمودية ، واعتبروا الجواد الذي كان طفلا صغيرا كأنه لم يكن. وذهب قسم آخر من الشيعة للالتفاف حول الامام محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب الذي كان يعيش في الكوفة ، وكان معروفا بالعبادة والزهد والورع والعلم والفقه ، وفجر ثورة ضد الخليفة المعتصم في الطالقان سنة

 

ج وفرقة قالت بامامة الجواد ، ولكنها اضطربت في الاجابة على مشكلتي العمر والعلم ، فقال بعضهم : لا يجوز ان يكون علمه من قبل ابيه لان اباه حمل الى خراسان وابو جعفر ابن اربع سنين واشهر ، ومن كان في هذه السن فليس في حد من يستفرغ تعليم معرفة دقيق الدين وجليله ،ولكن الله علمه ذلك عند البلوغ بضروب مما يدل على جهات علم الامام مثل الالهاموالنكت في القلب والنقر في الاذن والرؤيا الصادقة في النوم والملك المحدث له و وجوه رفع المنار والعمود والمصباح وعرض الاعمال

ولما كان الاماميون يعتبرون الامامة شبيهة بالنبوة وانها من الله فلم يصعب عليهم الاستشهاد بآية من القرآن الكريم تقول· وآتيناه الحكم صبيا¨ وقالوا­ كما اعطى الله النبوة ليحيى وهو طفل صغير ، وكما اعطاها لعيسى وهو طفل صغير كذلك فلم لا يجوز ان يعطي الامامة لمحمد الجواد وهو ابن سبع سنين؟ و رووا عن الجواد انه قال لمن استشكل في عمره· ان الله تعالى اوحى الى داود ان يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم

وقال بعض الذين قالوا بامامة الجواد ، دون ان يتبنوا الرأي الآنف : · ان الجواد قبل البلوغ هو امام على معنى :ان الامر له دون غيره الى وقت البلوغ ، فاذا بلغ علم لا من جهة الالهام والنكت ولا الملك ولا لشيء من الوجوه التي ذكرتها الفرقة المتقدمة، لان الوحي منقطع بعد النبي باجماع الامة¨ . ورفضوا فكرة العلم بالالهام وقالوا : · لا يعقل ان يعلم ذلك الا بالتوقيف والتعليم لا الالهام والتوفيق ، لكن نقول انه علم ذلك عند البلوغ من كتب ابيه وما ورثه من العلم فيها وما رسمه له فيها من الاصول والفروع ، واجاز قسم من هؤلاء القياس والاجتهاد في الاحكام ، للامام خاصة ، على الاصول التي في يديه لانه معصوم من الخطأ والزلل فلا يخطيء في القياس¨

 

ولكن هذا الرأي كان يستوجب اعادة النظر في نظرية الامامة والتساؤل ­ اذن من هو الامام في فترة صغر الجواد ؟..ومن الوصي عليه؟

وبالرغم من عدم وجود نص صريح بالإمامة من الرضا على الجواد ، أو الوصية له ، و عدم ادعاء الإمام الجواد نفسه بالإمامة ، فقد اضطر الإمام يون للقول بامامته انقاذا لنظريتهم من التهاوي والسقوط ، وكان لا بد ان يبنوا قولهم على مجموعة من حكايات المعاجز والعلم بالغيب ، كمعرفة الجواد وهو في المدينة بوفاة ابيه وهو في خراسان في نفس الساعة ، وذهابه بلمح البصر الى خراسان لتغسيل ابيه وتكفينه ، ثم عودته الى المدينة في نفس الليلة« وقيام عصا كانت في يده بالنطق والشهادة له بالامامة ، واجابته لقوم من الشيعة عن ثلاثين الف مسألة في مجلس واحد

وقد تكررت مشكلة صغر عمر الامام الجواد مرة اخرى مع ابنه علي الهادي ، حيث توفي الجواد في مقتبل عمره ولما يكمل الخامسة والعشرين ، وكان ولداه الوحيدان علي وموسى صغيرين لم يتجاوز اكبرهما السابعة « ولأن الهادي كان صغيرا عند وفاة الجواد فقد اوصى ابوه بالاموال والضياع والنفقات والرقيق الى عبدالله بن المساور وامره بتحويلها الى الهادي عند البلوغ ، وشهد

على ذلك احمد بن ابي خالد مولى ابي جعفر وهذا ما دفع الشيعة الى التساؤل: اذا كان الهادي بنظر ابيه غير قادر على ادارة الاموال والضياع والنفقات لصغره فمن هو الامام في تلك الفترة ؟..وكيف يقوم بالامامة طفل صغير ؟.. وهو سؤال كان قد طرحه البعض عند وفاة الامام الرضا من قبل ، وذلك عندما كان الجواد طفلا صغيرا ، وقد زاد الغموض الحيرة بين الاخوين علي وموسى : ايهما الامام؟.. يقص علينا الكليني و المفيد ذلك الغموض وتلك الحيرة التي اصابت الشيعة في امر الامام بعد الجواد ، وعدم معرفة كبار الشيعة بهوية الامام الجديد ، و اجتماعهم عند محمد بن الفرج للتفاوض في امرها ، ثم مجيء شخص واخبارهم بوصية الامام الجواد له سرا بامامة ابنه علي الهادي

 

وقد ادت هذه الحيرة وذلك الغموض في امر الامامة الى انقسام الشيعة الامامية أتباع الجواد ، الى قسمين ­ قسم يقول بامامة الهادي وآخر يقول بامامة اخيه موسى المبرقع

 

ولكن الشيخ المفيد أهمل ذلك الانقسام ولم يشر اليه ، بل ادعى اجماع الشيعة على القول بامامة الهادي ، و قال ­ ان ذلك الاجماع يشكل دليلا يغني عن ايراد النصوص بالتفصيل

الا ان ذلك لم يشكل في الحقيقة دليلا كافيا لإثبات امامة الهادي ، مما دفع الامامية كالعادة الى محاولة اثبات الامامة له عن طريق المعاجز ودعاوى علمه بالغيب ، فراحوا يدعون­ معرفته بوفاة ابيه في بغداد وهو في المدينة ، في نفس الساعة ، ومعرفته بمرض احد ابناء عمه غيبيا ، و معرفته بمقتل الخليفة العباسي الواثق وجلوس المتوكل مكانه ، ومقتل ابن الزيات ، وهو في المدينة ، وقبل ستة ايام من مجيء اول مسافر من العراق ، ونقل الامام الهادي لرجل من اصحابه هو اسحاق الجلاب من سر من رأى الى بغداد في طرفة عين ، و تحويل خان للصعاليك الى روضات آنقات باسرات فيهن خيرات عطرات و ولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون ، واطيار وظباء وانهار

 

 

مشكلة البداء .. مرة اخرى

 

كانت الامامة عند اهل البيت وعامة الشيعة تختلف في مفهومها عند الامامية ، فهي كانت امامة عادية بشرية عند اولئك ، وامامة ربانية عند هؤلاء ، ومن هنا كان أئمة أهل البيت يشيرون الى احد ابنائهم ، او يتوقعون ان يخلفهم في مقامهم التوجيهي ، يموت في حياتهم ، فيشيرون الى رجل آخر ، ولا يجدون في ذلك اي حرج او تناقض ، ولكن وفاة احد ابناء الأئمة المرشحين للخلافة كان يسبب أزمة في صفوف الامامية الذين كانوا يعتقدون ان نصب الامام من الله تعالى ، ولذلك فقد كانوا يستغربون ان يموت الامام المقترح و·المعين¨ في نظرهم في حياة ابيه ، ويعتبرون ذلك تغييرا في الارادة الالهية ، وهو ما عبروا عنه بالبداء مع انهم صعب عليهم الاعتراف بالبداء وتغيير الله لارادته في هكذا موضوع كالامامة ، وذلك لما يسببه التغيير من حرج وتشكيك للناس في صدقية الأئمة والتراجع عن اعتبار النص من الله

لقد فسر الامامية وفاة اسماعيل بن جعفر الصادق ، الذي كانوا قد رشحوه لخلافة ابيه ، بالبداء ، ورفض بعضهم قصة الترشيح من اساسها ، بينما انكر بعض آخر الوفاة وأصر على اختفاء اسماعيل عن الانظار وقد سببت وفاة اسماعيل هزة في الفكر الامامي ادت الى تراجع الكثير من الامامية عن الاعتقاد بأن الامامة تعيين من الله وقد حدثت نفس القصة مرة اخرى بعد مائة عام تقريبا ، حيث اعلن الامام الهادي عن ترشيح ابنه السيد محمد كخلف له ، ولكنه توفي في حياته ، فأوصى الى اخيه ­ الحسن العسكري وقال له­· يابني احدث لله شكرا فقد احدث فيك امرا

 

وقد روى الكليني والمفيد والطوسي عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال : كنت عند ابي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه ابي جعفر ،وقد كان اشار اليه ودل عليه ، واني لأفكر في نفسي واقول هذه قصة ابي ابراهيم وقصة اسماعيل ،فاقبل الي ابو الحسن وقال : نعم يا ابا هاشم بدا لله في ابي جعفر وصير مكانه ابا محمد كما بدا له في اسماعيل بعدما دل عليه ابو عبدالله ونصبه ، وهو كما حدثتك نفسك وانكره المبطلون ..ابو محمد ابني الخلف من بعدي عنده ما تحتاجون اليه ، ومعه آلة الامامة والحمد لله

ومثلما حدث مع الاسماعيلية الذين انكروا وفاة اسماعيل بن جعفر ، فقد رفض قسم من شيعة الامام الهادي الاعتراف بوفاة ابنه محمد ، وأصروا على القول باستمرار حياته وغيبته ، وتفسير اعلان الهادي لوفاة ابنه بأنه نوع من التقية والتغطية على الحقيقة .

 

· وقال هؤلاء بامامة محمد بعد ابيه ، واعتلوا في ذلك : بأن اباه اشار اليه بالامامة واعلمهم انه الخليفة من بعده ، والامام لا يجوز عليه

الكذب ، ولا يجوز البداء فيه ،فهو وان كانت ظهرت وفاته ..لم يمت في الحقيقة ،ولكن اباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي ، وقالوا فيه بمثل مقالة اصحاب اسماعيل بن جعفر

 

وبعد وفاة الامام الهادي حدث صراع وتنافس بين جعفر بن علي واخيه الحسن ، حتى قال العسكري­· مامني احد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في . وتكررت ايضا قصة وفاة عبدالله الافطح دون عقب ، مع الامام الحسن العسكري الذي توفي دون ان يشير الى وجود ولد له او يوصي الى اي احد بالامامة ، مما ادى الى وقوع الأزمة الكبرى والحيرة العظمى في صفوف الامامية وتفرقهم الى اربعة عشر فرقة ، كل يقول برأي مختلف ، فذهب بعضهم للقول بامامة اخيه جعفر ، وذهب بعضهم للالتحاق بالمحمدية الذين قالوا باختفاء محمد بن علي وانكروا وفاته ، وقال بعضهم بانقطاع الامامة ، وانكر بعضهم وفاة الحسن ، وقال بعضهم بعودته الى الحياة مرة اخرى ، وقال بعض آخر بوجود ولد له في السر ، ولد في حياته او بعد وفاته ، وانه المهدي المنتظر

 

 

                                                غموض هوية المهدي عند أهل البيت (ع)

إن تاريخ أئمة أهل البيت (ع) و رواياتهم التي يحتفظ بها التراث الشيعي الامامي تؤكد غموض هوية الإمام المهدي وعدم التصريح باسمه أو زمان خروجه ، ليس بسبب الخوف عليه ، وانما بسبب عدم تحديده من قبل ، لأن فكرة (المهدوية) كانت اسما عاما وأملا يحلق فوق رأس كل واحد منهم ، وقد بزغ هذا الأمل مع تولي الإمام علي للخلافة ، واشتد بعد مقتل الإمام الحسين بن علي في كربلاء ، حيث أخذ كثير من الشيعة يعد العدة للثأر والانتقام ويعمل من اجل إسقاط النظام الأموي ، والخروج المسلح ، ويلتف حول هذا الإمام أو ذاك من أئمة أهل البيت ، ويطلق عليه صفة المهدوية ، فيقوم وينجح أو يدركه الموت قبل إن يخرج ، فيقول البعض : انه اختفى وغاب وسوف يظهر في المستقبل .

ولو كانت هوية المهدي قد حددت من قبل منذ زمان رسول الله (ص) واجمع الشيعة عليها ، لما ذهبوا يمينا وشمالا ، واحتاروا وتساءلوا من الأئمة عن هوية المهدي .

يقول الإمام محمد بن علي الباقر مخاطبا الشيعة:· لا تزالون تمدون أعناقكم إلى الرجل منا تقولون :هذا هو ، فيذهب إلى ربه حتى يبعث الله لهذا الامر من لا تدرون ولد ؟ أم لم يولد؟ خلق؟ أم لم يخلق؟ . 1

ويقول الكليني : إن الحكم بن أبى نعيم جاء إلى الإمام الباقر في المدينة فقال له:

- عليّ نذر بين الركن والمقام إن انا لقيتك أن لا اخرج من المدينة حتى اعلم انك قائم آل محمد أم لا ؟ فقال له الإمام الباقر:

- ياحكم ..كلنا قائم بأمر الله .

ولكن الحكم لم يرتضِ هذا الجواب العام فسأله بالتحديد:

- فأنت المهدي؟ فاجابه الباقر جوابا عاما أيضا:

- كلنا نهدي إلى الله ، وعاد الحكم ليسأل بتحديد ووضوح:

- فأنت صاحب السيف ، وأجابه الإمام للمرة الثالثة بغموض:

كلنا صاحب السيف ووارث السيف ، فسأل الحكم بوضوح تام:

- فأنت الذي تقتل أعداء الله؟ فقال الإمام الباقر:

- يا حكم .. كيف اكون انا وقد بلغت خمسا واربعين سنة؟! وان صاحب هذا الامر اقرب عهدا باللبن مني وأخف على ظهر الدابة. 2

ويقول الكليني والنعماني : إن الإمام الصادق كان يرفض تحديد هوية المهدي ، وان ابا حمزة - أحد أصحابه - سأله مرة:

- أنت صاحب هذا الامر ؟ فقال : لا ، فقال: فولدك؟ .. قال :لا ، قال: فولد ولدك هو؟ فقال : لا ، فقال: فولد ولد ولدك ؟ فقال: لا ، قال: من هو؟ قال : الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا على فترة من الأئمة كما إن رسول الله (ص) بعث على فترة من الرسل . 3

يؤيد ذلك إن الإمام الصادق عندما اقنع الشاعر السيد الحميري الذي كان يعتقد بمهدوية محمد بن الحنفية ، بوفاته ، لم يقل له من هو الإمام المهدي بالتحديد ، وقد انشد الحميري أبياتا من الشعر سجل فيها تحوله عن القول بمهدوية ابن الحنفية ، ولكنه لم يشر إلى هوية المهدي ، حيث قال:

وما كان قولي في ابن خولة مطنباً معاندة مني لنسل المطيب

ولكن روينا عن وصي محمد وما كان فيما قال بالمكذب

بأن ولي الأمر يفقد لا يرى ستيرا كفعل الخائف المترقب

فتقسم أموال الفقيد كأنما تغيبه بين الصفيح المنصب

فلما روى : إن ابن خولة غائب صرفنا إليه قولنا لم نكذب

وقلنا هو المهدي والقائم الذي يعيش به من عدله كل مجدب

فان قلت لا فالحق قولك والذي أمرت ، فحتم غير ما متعصب

واشهد ربي إن قولك حجة على الناس طرا من مطيع ومذنب

فان ولي الأمر والقائم الذي تطلع نفسي نحوه بتطرب

له غيبة لا بد من إن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب

فيمكث حينا ثم يظهر حينه فيملك من في شرقها والمغرب

بذاك أدين الله سرا وجهرة ولست وان عوتبت فيه بمعتب

ومع إن الإمام الصادق في الرواية السابقة لم يكن ينفي فكرة القيام عن نفسه ولم يؤكدها ، فان الصدوق يروي عن ابن أبى يعفور انه سمع الصادق يقول:( ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب ) ، ويروي أيضا عن سدير عن أبى عبد الله انه قال:( يا سدير الزم بيتك وكن حلسا من احلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار ، فإذا بلغك إن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك . 4

مما يوحي إن الإمام الصادق كان يحدث أصحابه بقرب قيامه. ولكن محمد بن الحسن الصفار يروي في :(بصائر الدرجات) عن أبى بصير انه جاء يوما إلى أبى عبد الله وقال له:

- جعلت فداك ، آني اريد إن المس صدرك ( وكان أبو بصير أعمى) فقال له:

- افعل ، قال: فمسست صدره ومناكبه ، فقال:

- و لِمَ يا أبا محمد ؟ فقال أبو بصير:

- جعلت فداك .. آني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريض ما بينهما ، فقال الإمام الصادق:

- يا أبا محمد .. إن أبى لبس درع رسول الله (ص) وكانت تستخب على الأرض ، وانا لبستها فكانت وكانت .. وأنها تكون من القائم كما كانت من رسول الله مشمرة كأنه ترفع نطاقها بحلقتين ، وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين. 5

و يروي الطوسي في :(الغيبة) حوارا جرى بين الإمام الصادق وابي بصير الذي سأله: (ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟ ) فقال له الإمام:( بلى.. ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه) ويروي رواية أخرى اكثر صراحة يقول فيها الإمام الصادق :(كان هذا الأمر فيّ فأخره الله ، ويفعل بعد في ذريتي ما يشاء) . 6

مما يكشف إن أمل المهدوية كان معلقا على الإمام الصادق في عصره ، ولذلك عندما توفي ولم تتوفر له الظروف لتحقيق الأمل المطلوب والكامن في قلوب الشيعة ، رفض بعض أصحابه ، ومنهم خاصته ، إن يصدق نبأ وفاته ، وأصرّ على أنه قد غاب وسيظهر عما قريب ، وقال : انه المهدي المنتظر ، وكان على رأس هؤلاء زعيم الشيعة في البصرة : عبد الله بن ناووس .

الأمل بمهدوية الكاظم

ومع اشتداد الضغط السياسي العباسي على الإمام موسى بن جعفر الكاظم ازداد أمل الشيعة الذين قالوا بإمامته ، بخروجه وقيامه ،وتفجير الثورة في وجه الحكم العباسي.. واعتقد معظم الشيعة قويا بأن موسى هو القائم المهدي ، و رووا روايات كثيرة عن الباقر والصادق في تحديد شخصه ، وربما أضافوا إليها من عند أنفسهم الشيء الكثير ، انطلاقا من شوقهم وحرصهم ومعاناتهم .

وعندما توفي الإمام الكاظم بعد خمس وثلاثين سنة من الانتظار والأمل ، لم يصدق عامة الشيعة الموسوية نبأ وفاته ، ورفضوا إلا الإصرار على القول بغيبته وحياته والتأكيد على انه المهدي المنتظر وانه سوف يخرج ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

الرضا ينفي احتمال المهدوية فيه

وقد عاد ذلك الأمل إلى الشيعة بعد حوالي عشرين عاما ، وذلك عندما دعى الخليفة العباسي المأمون عام 200 هجرية الإمام علي بن موسى الرضا إلى خرا سان ، وقلده ولاية العهد عام 201 ، وهذا ما أحيي الأمل في نفوس الشيعة ودفعهم للاعتقاد بإمكانية إن يصبح الرضا : المهدي المنتظر.

ينقل الكليني في :(الكافي ): إن ايوب بن نوح جاء إلى الإمام الرضا وقال له: ( آني أرجو إن تكون صاحب هذا الأمر.. وان يسوقه الله إليك بغير سيف ، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك ) . ولكن الإمام الرضا بدد توقعه ونفى إن يكون هو المهدي . 7

وعندما جاء الشاعر دعبل الخزاعي إلى الإمام الرضا وانشده القصيدة المعروفة : (مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات) أشار إلى المهدي بصورة غامضة وقال: (خروج أمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات ) ولم يسمه بالاسم .

وان تحديد هوية ( الإمام المهدي ) بالثاني عشر من أئمة أهل البيت ، كما هو معروف لدى الشيعة الاثني عشرية اليوم ، قد حدث في وقت متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري والقول بوجود ولد له في السر ، بفترة طويلة ، أي في بداية القرن الرابع الهجري تقريبا . وذلك في أعقاب تطور نظرية (الإمامة الإلهية ) وتحولها من التسلسل اللامحدود إلى الاقتصار على (اثني عشر ) وتكون الفرقة الاثني عشرية .

وقد ذكر الشيخ الصدوق في :(إكمال الدين) الذي ألفه في منتصف القرن الرابع الهجري ، مجموعة كبيرة من الروايات عن النبي الأكرم (ص) وأئمة أهل البيت (ع) ، يشير بعضها إلى القائم أو المهدي دون تحديد اسمه واسم أبيه ، ويؤكد بعضها تحديد رقمه الثاني عشر وانه ابن الحسن العسكري ، كما في الرواية التي يقول فيها: إن الإمام الرضا سأل الشاعر دعبل الخزاعي ، بعد إن القى قصيدته واشار فيها إلى المهدي بصورة غامضة ، فقال له: هل تدري من هذا الإمام ؟ ومتى يقوم؟ فقال: لا يا مولاي ، إلا آني سمعت بخروج أمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلا كما ملئت جورا . فقال له :( يا دعبل .. الإمام بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره ) . 8

وهذه الروايات ضعيفة المتن والسند ، ولا تصمد أمام البحث العلمي ، وسوف نناقشها في الفصل الخاص بنقد الأدلة الروائية (النقلية) ونثبت عدم صحتها واختلاقها فيما بعد .

 

 

 

 

لســــــــــــــــــــــانيات

قضية الترادف

النظرية والتطبيق

أ.عبدالرحمن بن حسن المحسني

تقديم :

حينما كنت أبحث عن الفروق اللغوية بين كلمات الهم ، والغم ، والحزن في كتب الفروق اللغوية ، تذكرت قضية قديمة حديثة وربما أذكرنيها قراءتي عن الكلمات الثلاث السابقة .

وتلكم  القضية هي قضية الترادف في اللغة وهي من الحيوية والحداثة بمكان ، في ظل توسع اللغة الدائم ، الذي يجعل المهتم بأمر اللغة وتطور دلالتها ، على مفترق طريقين ممتدين منذ عصور سلفت .

          وأحاول من خلال هذا البحث أن أطل على رأيين من آراء علمائنا الأجلاء حول الترادف وحقيقته محاولاً أن أصل بالقارئ إلى رأي أحسبه راجحاً .

          والبحث حول الترادف مشكل ، وقد وجدت القضية أوسع مما كنت أقرر لها ، فهي مبسوطة في كتب أرباب اللغة ، الذين أولوا هذا المحور جل اهتمامهم ، وصدروا بها أوائل كتبهم ، وجذورها تمتد إلى أغوار الزمن الأول الذي نشأت فيه هذه اللغة ؛ وهي بين قائل بالتوقيف أو الاصطلاح ـ وهو بحث ظني على كل حال ـ .

          أعود لأقول إن قضية الترادف ؛ وجوده أو عدمه قد شغلـت كثيراً من اللغويين ، وأفرد لها الإمام السيوطي في كتابه المزهر صفحات ذات عدد ، كما أولاها الكثير من اللغويين اهتمامهم ذلك أنها تتصل بأصل لغتنا .

وفي معجمنا اللغوي الكبير كثير من المترادفات ؛ ترى هل هي مترادفات ومسميات لمعنىً واحد ، اقتضاها تنوع القبائل والأمصار وظروف أخرى ؟! أو أنه لا يوجد في الحق ترادف أصلا وأن العسل هو الاسم ، وتسعة وسبعين اسما أخرى أحصاها الفيروزآبادي ما هي إلا أوصاف لها دلالات تختلف كل دلالة عن الأخرى .

          هذا ما يحاول هذا البحث الكشف عنه ..

 

أولاً : الترادف في كتب اللغة :

          بادئ ذي بدء أقول إن جذر هذه القضية يعود إلى أصل نشأة اللغة ، ومعلوم أن علماء اللغة على اختلاف واسع ومبسوط في كتب اللغة ، ويكاد الرأي الأخير يتشعب إلى رأيين أحدهما يرى التوقيف في أصل نشأة اللغة ، وأن الله علّم آدم الأسماء كلها ، ورأي آخر يرى أن اللغة قائمة في أصلها على الاصطلاح والتواضع .. وتبعاً لهذين الرأيين انقسم علماء اللغة إلى قسمين في قضية الترادف :

أ ـ إنكار الترادف :

يقول أصحابه: بأن الشارع حكيم ، ومن العبث أن يأتي الترادف إلا ولكل كلمة دلالة، فإذا سلمنا بتلك الدلالات المتعددة فلا ترادف بل إن أبا هلال العسكري قد أنكر حتى المشترك اللفظي ، وأن يكون فعل ، وأفعل بمعنى واحد ، بل إن أصحاب هذا الرأي ومنهم أبو هلال العسكري يقولون بعدم تعاقب حروف الجر ، وعللوا ذلك بأنه يوقع في الإشكال واللبس على المخاطب ، وليس من الحكمة ، وضع الأدلة المشكلة .. وقال المحققون ، لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين ومعناهما واحد ، ثم يقول : وإذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني ، فاختلاف المعاني أنفسها أولى أن يكون كذلك ، ولهذا المعنى قال المحققون من أهل العربية : إن حروف الجر لا تتعاقب )) (1) .

ويقول ابن درستويه (2) : في جواز تعاقب حروف الجر إبطال لحقيقة اللغة ، وإفساد الحكمة فيها ، والقول بخلاف ما يوجبه العقل والقياس ، ويسحب أبو هلال العسكري المبرّد إلى القائلين بإنكار الترادف وينقل عنه قوله : (( .. قولنا اللب ، وإن كان هو العقل فإنه يفيد خلاف ما يفيده العقل ، وكذلك المؤمن ، ومستحق الثواب ، لكل منهما معنى زائدة )) (3) .

          ويفرق المبرّد بين قولي أبصرته ، وبصرت به على اجتماعهما في فائدة شبه متساوية إلاّ أن أبصرت به معناه أنك صرت به بصيرا بموضعه ، وفعلت أي انتقلت إلى هذه الحال ، وأما أبصرته فقد يجوز أن يكون مرة وأن يكون لأكثر من ذلك ، وكذلك أدخلته ودخلت به ، فإذا قلت أدخلته جاز أن تدخله وأنت معه ، وجاز ألا تكون معه ، ودخلت به إخبار بأن الدخول لك وهو معك ، وبسببك )) (4) .

          وممن أنكر الترادف ابن فارس ت 395هـ وقد بسط رأيه (5) الذي لا يبعد في استدلاله عن آراء ابن درستويه ومعاصره أبي هلال العسكري ، وهو رأي لابن الأنباري ـ صاحب الأضداد يقول ابن الأنباري [ يذهب ابن الأعرابي إلى أن مكة سميت بذلك لجذب الناس إليها ] ثم يقول بعد كلام طويل عن علة بعض التسميات لبعض البلدان ـ فإن قال رجل : لأي علة سمى الرجل رجلا ، والمرأة امرأة قلنا : لعلة علمتها العرب ، وجهلناها ، فلم تزل عن العرب حكمة العلم بما لحقنا من غموض العلة وصعوبة الاستخراج علينا .. )) (6) .

ويعلل قطرب تكرار العرب للفظتين على المعنى الواحد بعلة أن ذلك يدل على اتساعهم في كلامهم كما زاحفـوا في أجزاء الشعر ، ليدلوا على أن الكلام واسع عندهم .. )) (7) .

وباستعراض الآراء السابقة نجد أن أصحابها ينكرون وجود الترادف ، ويمكن أن نستنبط عللهم ونجملها في النقاط التالية :

أولاً :   إن الشارع حكيم ، وإذا سلمنا بالترادف ، وقعنا في عبثية لفظية ، ينـزه الشارع عنها ، ورأيهم هذا ينطلق من قولهم بتوقيفية اللغة كما أسلفنا .

ثانياً :   إن لكل كلمة دلالة تدور في محيطها ، وما لم نعلم علته ، فهو معلوم في العربية ، وإن جهلناه .

ثالثاً :   إذا قلنا بإنكار الترادف ، فهذا يدفعنا إلى بحث العلل وفي هذا ما يدل على سعة الكلام عند العرب .

 

ب ـ إثبات الترادف :

          أما الرأي الآخر ، فيثبت الترادف ، ويرى أن هناك كلمات مترادفة ، تؤدي معنىً واحداً تاماً ، لم تأت في العربية عبثاً ، وإنما جاءت لأغراض ومقاصد ، ويستدلون على صواب رأيهم بأدلة عقلية  وخرجوا الآية الكريمة مخارج تدعم أو تسالم رأيهم ، وحديثهم في إثبات الترادف قائم من منطلق أن اللغة اصطلاحية حتى صرح بذلك السيوطي في المزهر بقوله (8) : (( وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية )) ولعل من أبرز القائلين به الآمدي صاحب الإحكام في أصول الأحكام إذ نص على ذلك ، واتهم أصحاب الرأي السابق وسرد أدلة عقلية على وقوعه (( ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة ، وجوابه أن يقال : لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي ، فإنه لا يمتنع أن يقع أحد اللفظين على مسمى واحد ثم يتفق الكل عليه ، وأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمىً ، وتضع الأخرى له اسماً آخر ، من غير شعور كل قبيلة بوضع الأخرى ثم يشيع الوضعان بعد ذلك . ثم يُدلل الآمدي على إمكانيـة  وقوع ذلك بقوله : (( ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة ما نقل عن العرب من قولهم : الصهلـب ، والشوذب من أسماء الطويـل ، والبهتر ، والبحتر من أسماء القصير )) (9) .

          ويؤيد هذا الرأي القائل بالترادف مجموعة من علماء اللغة لعل من أبرزهم ابن خالويه ، وهو الذي أثبت للسيف أسماءً كثيرة مترادفة (10) ومنهم أبو بكر الزبيدي والرماني ، وابن جني ، وقد أفرد له باباً في خصائصه ومنهم الباقلاني ، وابن سيده والفيروز آبادي الذي ذكرت سالفاً أنه أثبت للعسل ثمانين اسماً (11) .

والسيوطي ممن يثبتون وجود الترادف في اللغة ، ويعلل ذلك ، ذاكراً فوائد الترادف : وأبرز علله ما يأتي (12) :

أولاً :   أن تكثر الوسائل ، والطرق ، إلى الإخبار عما في النفس ، فربما نسى أحد اللفظين ، أو عام عليه النطق به ، وقد كان بعض الأذكياء ـ ويقصد به واصل ابن عطاء (13) ألثغ ، فلم يحفظ عنه أنه نطق بحرف الراء ، ولولا المترادفات تعينه على قصده لما قدر على ذلك .

ثانياً :   التوسع في سلوك طرق الفصاحة ، لأن اللفظ الواحد قد يتأتى باستعماله مع لفظ آخر السجع ، والقافية والتجنيس .

ثالثاً :   ذهب بعض الناس إلى أن الترادف على خلاف الأصل ، والأصل هو التباين ، وبه كما يقول الإمام السيوطي ـ جزم البيضاوي في منهاجه .

رابعاً :   قد يكون أحد المترادفين أجلى في تعبيره من الآخر ، وقد ينعكس الحال بالنسبة لقوم آخرين .

خامساً: أورد السيوطي تقسيماً لعالم اسمه " ألكيا " وهو اسم غريب وتقسيم كما يقول السيوطي غريب ؛ يقول : تنقسم الألفاظ إلى متوارد كما تسمى الخمر عقارا ، وصهباء ، وقهوة ، والمترادفة مثل صلح الفاسد ، ولم الشعث .

سادساً: أثبت السيوطي المترادف بنماج لمن استقصوا أو حاولوا استقصاء أسماء العسل ، والسيف ، وكأنه بذكره لهذه الأسماء ، يرى أن القائلين بإنكار الترادف يتمحلون في وضع العلل .

 

ثانياً : التطبيق :

          حينما ننظر لكلمات مثل (الهمم ، والغم ، والحزن) ، نجد أن جذر المعنى الذي تجتمع عليه الكلمات الثلاث هو ما يعتري النفس من كدر ، وعدم رضى ، مع تفاوت وتمايز في دلالة كل كلمة منها .

وأبدأ بكلمة الحزن التي تتخذ في معاجم اللغة دلالات ، ويفسره صاحب المعجم الوسيط بمرادفه وهو اُغتم (14) ، وابن فارس في مقياسه اللغوي (15) تجاوز تعريفه للحزن وقال هو معروف ؛ يُقال أحزنني الشيء يحزنني ، وحزانتك أهلك ومن تحزن عليهم ، ووجدت الشريف الجرجاني (16) يعرف الحزن ، ويربطه بالماضي : (( عبارة عما يحصل لوقوع مكروه ، أو فوات محبوب في الماضي .. )) .

والواقع أننا حينما نبحث عن مترادفات الحزن نجدها متعددة ، وكلمات عدة تؤدي المعنى الذي ذكرته آنفاً فعند علماء اللغة تقول: (( غمني ، أحزنني وشجاني ، وشجنني ، وأشجنني ، وعزّ عليّ ، وشق عليّ ، وعظم عليّ ، واشتد عليّ )) ويُقال : (( ورد فلان خبر ، فحزن له واغتم ، وأسـى ، وشجى ، وشجن ، وترح ، ووجد ونكد ، وكئب ، واكتأب ، واستاء ، وابتأس ، وجزع وأسف ، لهف ، والتهف ، والتاع ، والتعــج ، وارتمض ... )) (17) . وهي كلمات كما ترى تحمل كل واحدة منها دلالة ، لا يمكن في تصوري أن تلتقي كلمتين منها التقاءً تاماً فلكل واحدة منها ظلالاً معينة وبما أننا قد اخترنا ، الثلاث كلمات السابقة ، فلنتابع الحديث عنها .

          فالغم كما يقول ابن فارس (( الغين والميم أصل واحد صحيح يدل على تغطية ، وإطباق ، ويُقال : غمه الأمر يغمه غماً . وهو شيء يغشى القلب .. )) (18) وفي الوسيط يدور حول التغطية .. (19) وهي دلالة كما فهمت أعمق إذ أن الهم يتغشى الفؤاد ، ويضيق الخناق على المغموم ، وكأنه قد غطاه تماماً فلا يستطيع أن يتنفس ، وبخلاف الحزن ، فهو مرحلة متقدمة ماضية ، قد انجلى الضيق ولم يبق منه إلا بقايا من الحزن . (( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن )) .

وبرغم أن ابن فارس ممن يقولون بإنكار الترادف ، فهو يفسر لنا الكلمة بمرادفها فهو يعرف الهم بأنه الحزن ويقول (( الهاء والميم أصل صحيح يدل على ذوب وجريان وما أشبه ذلك  ومنه قول العرب : همني الشيء ، أذابني والهم الذي هو الحزن عندنا من هذا القياس ، لأنه كأنه لثلاثة يهم ، أي يذيب )) (20) .

          ومن تتبع دلالات الكلمات الثلاث تستطيع أن نخرج بفائدة تنوع دلالاتها ، ولعل وضوحها هو الذي دفع بابن فارس إلى تجاوز توضيح الفروق بينها ، وهو الذي جعل لغوياً مثل الثعالبي وأبي هلال العسكري لا يوضحون الفرق بينها (21) وربما كان الأمر على خلاف ما فهمت ، والذي يتراءى لي ـ وهو رأي شخصي قابل للنقض ـ أن الترادف غير ممكن في العربية ، وأن القول بوجوده يتعارض مع عظمة العربية ، واتساع قاموسها ، ولو سلمنا للقائلين بالترادف لسفهنا بطريقة أو بأخرى علماء اللغة ، الذين جمعوا اللغة من مضانها ، ومن أفواه العرب ووقعنا في عبثية لفظية ، تنـزه اللغة العربية عنها ، وأمرٌ آخر يدعم القول بإنكار الترادف ، وهــو النماذج التي أوردت في ثنايا البحث ، فإن في كل كلمة ذكرت آنفاً دلالة ، وإيحاء ، حتى على افتراض توحد منطلقها المعنوي .

          وبعد .. فلا أزعم أنني ألممت بأطراف البحث في هذه القضية ، التي شغلت الباحثين في مجال اللغة حتى من علماء اليونان ، وعلماء اللغة السنسكريتية القديمة ، وحسبي أني أطللت بالقارئ الكريم على أبعاد هذه القضية ، التي تتخذ أهميتها من ارتباطها بقاموسنا اللغوي الكبير الذي نعتز به .. والحمد لله أولاً وآخراً .